عبلة الرويني … “لا سمع ولا طاعة” عنوان كتابي ومساري المهني
الدوحة - مشاوير: مجدي علي
جديرٌ هذا الكتاب بالقراءة، لأن عبلة الرويني قلمٌ واعٍ وأنيق، يشبه مِبْضعَ الجرّاح، دقيقٌ وحادّ، يعرف كيف يصل إلى جوهر المعنى ومكامن القضايا دون زخرفةٍ أو ضجيجٍ، كاشفًا عن قوةٍ مهنيةٍ وروحِ مقاومة..
في كتابها الجديد (لا سمع ولا طاعة) الصادر عن دار (الشروق) بالقاهرة، تقدّم الصحافية والكاتبة المصرية عبلة الرويني شهادةً مكثّفةً على خمسةٍ وأربعين عامًا من العمل الصحافي والنقدي.
الكتاب ليس سيرةً ذاتيةً تقليدية، بل هو “سيرةٌ للكتابة” نفسها داخل الصحافة العربية، بكل ما تعكسه من ضغوطٍ سياسيةٍ، رقابةٍ مشدّدةٍ، وتوازناتٍ مهنيةٍ معقّدة.
سيرة الكتابة والوعي المبكر
عنوان الكتاب (لا سمع ولا طاعة) هو تصريحٌ واضحٌ وشجاع عن موقفٍ حرٍّ ومستقلٍّ في مواجهة كل أشكال الضغوط والقيود. وهو يختزل فلسفة عبلة الرويني التي لا تقبل الانصياع الأعمى ولا الطاعة، وتصرّ على الاستقلالية الفكرية والحرية الصحافية.
هذا العنوان يمهّد للقرّاء لدخول عالم الرويني، عالم الصراحة والشجاعة والمواجهة، فالكتابة عند عبلة ليست مجرد نقلٍ للأحداث، بل فعلٌ متصلٌ بالوعي والضمير، وهو دعوةٌ للقارئ للتفكّر في معنى الحرية، والصدق، والاستقلالية في مواجهة كل أشكال السلطة.
الكتاب الذي يتكوّن من تسعةِ فصولٍ هو تجميعٌ لمقالاتٍ كُتبت في أزمنةٍ متباينة، بعض النصوص نُشرت وبعضها حُجب، لتشكّل في مجموعها أرشيفًا حيًّا للصراع بين الصحافة والسلطة.
تفتتح الرويني الكتاب بفصل (مقاربة الشمس)، مؤكدةً أن بعض سيرتها المهنية لا تعني الكتابة عن الأماكن أو المؤسسات فقط، بل سيرة الكتابة نفسها، أشكالها وتحدياتها، والانحناءات الصاعدة والهابطة، والتجربة بين الحرّية والانغلاق. ثم تنتقل في فصل (صباحات النشيد) إلى سنوات النشأة والتعليم في الستينيات، موضّحةً كيف أسهمت بيئة التعليم والمكتبات والأنشطة الثقافية في تشكيل وعيها المبكر بالمعرفة والفن والثقافة الحرّة، وأهمية ذلك في تكوين صحافيٍ مستقلّ الفكر.
الرويني وزوجها
في الفصول من الثالث حتى السادس، تسرد الرويني رحلتها المهنية داخل المؤسسات الصحفية الكبرى، من (الأخبار) إلى (الأهالي) اليسارية، وصولًا إلى (أخبار الأدب).
وهي تصف ما واجهته من صعوباتٍ كبيرةٍ مع الرقابة بالقول: “في البداية كنت أغضب وأحتج على حذف المفردة أو العبارة، لكن مع تصاعد المنع صار السؤال: هل أتخلى عن الكتابة أم أواصل العناء؟”
وتكشف الرويني أن موقفها أحيانًا كان سببًا لملاحقتها، ليس فقط بسبب ما تكتبه، بل أيضًا بسبب علاقتها بالشاعر أمل دنقل، الذي واجه بدوره تضييقًا واضطهادًا سياسيًا وفكريًا. لم تكن الرويني مجرد (رفيقة شاعر معارض)، بل صارت هدفًا قائمًا بذاته، تُقاس كتابتها ومواقفها المهنية بعين الشكّ، وتتعرض للتهميش والمضايقات من السلطة عبر الأزمنة، مهما تغيّرت الأنظمة.
يحتل فصل (الفئران المذعورة) موقعًا محوريًا في الكتاب، إذ يوثق خروجها القسري من رئاسة تحرير (أخبار الأدب) أثناء حكم الإخوان، ضمن تغييرات واسعةٍ في الصحف القومية عام 2012.
وتظهر هنا قوة قلمها التحليلية والتشريحية وجرأتها في مساءلة السلطة باسم المهنة والضمير، مؤكدةً معنى عنوان الكتاب: “كان خروجي من رئاسة التحرير على إيقاع رقصة المولوية، ويداي مرفوعتان شوقًا إلى العدل والحرية، “لا سمع ولا طاعة” كان عنوان مقالي الأخير، وها هو عنوان كتابي ومساري المهني”.
صدامات ومسار مستقلّ
على المستوى المفهومي، بلورت عبلة الرويني تجربتها خلال فصول الكتاب عبر أساليب مبتكرة في مسارين، الأول “تبريد اللغة”، وتعني خفض حدّة التعبير دون التفريط بالموقف، كحيلةٍ مهنيةٍ ذكيةٍ تسمح بالمرور تحت رقابة السلطة دون التنازل عن جوهر الفكرة. ثم عبر “تهريب الأفكار”، أي تمرير النقد عبر الإحالة والاستعارة والمقارنة بدل المواجهة المباشرة، لتصبح هذه الأساليب أدوات بقاءٍ وذكاءٍ مهنيٍّ في مواجهة الرقابة والقمع المتراكم.
كتاب لا سمع ولا طاعة
من خلال صداماتها الطويلة مع الرقابة منذ الثمانينيات وحتى العصر الحديث، أثبتت الرويني براعتها في تحويل التحديات إلى فرصٍ إبداعية، معبّرةً عن شغفها بالكتابة وحرصها على مواجهة القضايا الجوهرية مهما كانت المخاطر.
لقد كانت تجربةً فريدةً صنعت لنفسها مسارًا مستقلًّا ومتميّزًا في الصحافة المصرية، رفضت فيه التشابه، مؤكدةً أن الكتابة الحرّة والمهنية الحقيقية هي فعل مقاومةٍ ومغامرةٍ مستمرة للتعبير عن الحق والعدالة.
إرث الكتابة والنقد
الكتاب يمثّل مغامرةً جديدةً لعبلة الرويني، لكنها مغامرة ناجحة تضاف لسلسلة نجاحاتٍ سابقة ومشهودة، عكست شغفها وشطارتها، وبينّت اهتماماتها الممتدة في النقد الأدبي والثقافي، لتظهر ليس فقط كصحافية بل ناقدةً موسوعيةً، تتناول الشعر والمسرح والثقافة العامة بعمقٍ وتحليل.
فمن يقرأ (الجنوبي) كتابها الأشهر عن زوجها الشاعر الراحل أمل دنقل، يدرك أنه أمام قراءةٍ عميقة لتجربته الشعرية والإنسانية وعلاقته بالحرّية والإبداع. ومن يطلع على (سفر أمل دنقل) يفهم قدراتها الهائلة في التوثيق، فهي تجمع وتحلّل ما كتبه النقاد والمؤرخون عن شعره وديوانه لتخرج للمكتبات بمرجعٍ هامٍّ للباحثين.
ولعل هذا الوله بالتوثيق هو ما قادها أيضًا إلى تجربة كتابها (الشعراء الخوارج) الذي وثّقت فيها حركة الشعر العربي من مدخل الخارجين على أشكاله التقليدية.
وتتواصل الجرأة
(لا سمع ولا طاعة) كتابٌ جريءٌ، يؤكد حقيقةً واحدةً، أن الكتابة عند الرويني فعل مقاومةٍ طويل النفس، سواء في مواجهة السلطة السياسية، الأعراف الاجتماعية، أو حتى الأساطير الشخصية. تجربتها تمثّل نموذجًا نادرًا لصحافية وكاتبة جعلت من الحرّية شرطًا للمعنى، ومن الصدق معيارًا للكتابة، ومن (لا سمع ولا طاعة) عنوانًا لمسارٍ مهني وإنساني متصلّبٍ أمام الإملاء، وهو عنوان يفتح الباب على مساحات التأمل والأسئلة، ويترك للقارئ متعةَ القراءة والتفكّر في تجربةٍ استثنائيةٍ في الصحافة المصرية والعربية المعاصرة.