السودان: تصعيد عسكري، سباق تسليح، وضغوط إنسانية وسياسية متشابكة

تقرير - رشا رمزي

تشهد الساحة السودانية تطورات ميدانية متسارعة تعكس انتقال الصراع إلى مراحل أكثر تعقيداً، مع توسع رقعة الاشتباكات وتداخل العوامل العسكرية والإنسانية والإقليمية والدولية. ففي هذا السياق، عززت القوات المسلحة السودانية انتشارها العسكري في المناطق الواقعة شمال مدينة الأبيض، مع تركيز ملحوظ على محيط رهيد النوبة، في ظل تصاعد الاحتكاكات مع قوات الدعم السريع المتمركزة في مدينة بارا، بما يعكس محاولة من الجيش لإعادة ضبط ميزان السيطرة في إقليم كردفان الذي بات إحدى بؤر التوتر الأساسية.

وجاءت هذه التحركات عقب هجوم نفذته قوات الدعم السريع على منطقة الحوت القريبة من طريق الصادرات الرابط بين أم درمان وبارا، وهو طريق حيوي يمثل شرياناً لوجستياً مهماً. ووفق مصدر ميداني، رفع الجيش منسوب وجوده العسكري في محيط الأبيض من الجهتين الشمالية والجنوبية، بالتوازي مع تنفيذ طائرات مسيّرة تابعة له غارات جوية خلال الساعات الماضية، استهدفت مواقع لقوات الدعم السريع، من بينها مناطق قريبة من مدينة الدلنج في ولاية جنوب كردفان، في مؤشر على اتساع نطاق العمليات خارج محيط الأبيض المباشر.

وفي مقابل ذلك، أشار المصدر إلى أن قوات الدعم السريع تعمل على توسيع رقعة الاشتباكات عبر حشد قواتها بين رهيد النوبة ومناطق أخرى، في محاولة لإعاقة مساعي الجيش الرامية إلى تخفيف الضغط عن الدلنج، التي شهدت تقدماً ميدانياً للقوات الحكومية خلال الأيام الأخيرة. وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه مدينة بارا، التي سقطت في يد قوات الدعم السريع في 25 أكتوبر الماضي عقب وصول تعزيزات عسكرية، تعاني تدهوراً ملحوظاً في الأوضاع الإنسانية، وفق تقارير متطابقة.

وتسود حالة من القلق في أجزاء واسعة من إقليم كردفان مع ازدياد نشاط الطائرات المسيّرة، بالتزامن مع مواجهات متكررة في مناطق الحمادي وكازقيل والرياش، التي تحولت خلال الأسابيع الماضية إلى نقاط توتر رئيسية. ويعكس هذا المشهد تصاعداً نوعياً في أدوات القتال، بما يزيد من المخاطر على المدنيين والبنية التحتية في الإقليم.

وفي بعد آخر لا يقل خطورة، كشفت تقارير عن تطورات لافتة في ملف التسليح، إذ أفاد مصدر استخباراتي سوداني بحصول قوات في غرب السودان على ما لا يقل عن ست طائرات مقاتلة من طرازي سو-24 وميغ-25. ووفق ما نقله موقع ميدل إيست آي، يتم تفكيك هذه الطائرات بالكامل، بما في ذلك الأجنحة والمحركات، قبل نقلها عبر طائرات شحن إلى إثيوبيا أو إلى قاعدة الكفرة الجوية في شرق ليبيا، الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة العربية الليبية. وأشار التقرير إلى أن هذه الطائرات تُورّد عادة من صربيا، التي تربطها علاقات تجارية مع شركة غولدن الدولية العاملة في الصناعات الدفاعية، ما يسلط الضوء على شبكات إمداد عابرة للحدود تغذي الصراع.

آثار طائرة مسيرة

وفي السياق نفسه، تحدث مسؤولون باكستانيون عن محادثات جارية حول صفقة دفاعية لصالح القوات المسلحة السودانية، تُقدّر بنحو 1.5 مليار دولار، وتشمل مقاتلات JF-17 بلوك 3، وطائرات تدريب وهجوم من طراز K-8، إضافة إلى أكثر من 200 طائرة مسيّرة، ما يعكس اتجاهاً نحو تعزيز القدرات الجوية في خضم الحرب الدائرة.

وعلى الصعيد الداخلي، برزت محاولات لاحتواء التوتر في مناطق بعيدة نسبياً عن خطوط القتال المباشرة، إذ أصدر المجلس الأعلى لمدينة وادي حلفا قرارات تنظيمية مشددة، أكد فيها رفضه القاطع لأي وجود لتشكيلات شبه نظامية أو كتائب مسلحة خارج الأطر الرسمية، مشدداً على أن أمن المدينة واستقرارها يمثلان خطاً أحمر. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل حساسية متزايدة مرتبطة بملف التعدين الأهلي والذهب، وسط مخاوف من أن تتحول النزاعات حول الموارد إلى عامل إضافي لزعزعة الاستقرار الاجتماعي والأمني.

وفي موازاة التطورات العسكرية، تتصاعد التحذيرات الحقوقية والإنسانية. فقد أكد المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن تقرير المحكمة الجنائية الدولية المرفوع إلى مجلس الأمن وثّق وقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر. وأوضح أن الانتهاكات شملت عمليات إعدام دون إجراءات قانونية، واستخداماً للعنف الجنسي، ومعاملة غير إنسانية، وحالات اختطاف مقابل فدية، وذلك في أعقاب حصار استمر 18 شهراً حرم السكان من الغذاء والخدمات الأساسية.

وخلال زيارة استمرت خمسة أيام إلى السودان، دعا تورك أطراف القتال إلى منع تكرار الانتهاكات التي رافقت سقوط الفاشر في مناطق أخرى مثل كادوقلي والدلنج، مشيراً إلى تقارير تفيد بوجود قوات إضافية للدعم السريع وحلفائها على مسافة قريبة من كادوقلي، حيث تتفاقم الأوضاع الإنسانية. كما أشار إلى استمرار القتال في جنوب كردفان، بما في ذلك القصف المدفعي واستخدام الطائرات المسيّرة والغارات الجوية، ما أدى إلى تدمير واسع للبنية التحتية ونزوح أكثر من 25 ألف شخص منذ أواخر أكتوبر.

وفي الإطار ذاته، دعا تورك إلى اتخاذ إجراءات عاجلة، تشمل تأمين ممرات آمنة للمدنيين، ومنع الإعدامات دون محاكمة والعنف الجنسي والاحتجاز التعسفي والاختطاف، مع التأكيد على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات بغض النظر عن انتماءاتهم، ووقف الهجمات على الأعيان المدنية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

أما على المستوى الإنساني الإقليمي، فقد حذر المفوض السامي لشؤون اللاجئين برهم صالح من أن النزاع في السودان يحمل تداعيات تتجاوز حدوده، داعياً إلى تحرك دولي منسق لإنهائه. وأشار، خلال جلسة مخصصة للسودان في منتدى دافوس، إلى فجوات كبيرة في منظومات الحماية، حيث لا يتجاوز متوسط المياه المتاحة للفرد 10 لترات يومياً، بينما تحتاج ثلث الأسر إلى مأوى، ولا تغطي خدمات الرعاية الصحية والنفسية سوى 20 في المئة من الاحتياجات. وأكد أن إنهاء الحرب يظل الشرط الأساسي لوقف المعاناة، مع ضرورة دعم المسار السياسي وتنسيق الجهود الدولية والإقليمية.

عوائل نازحه

وفي الاتجاه نفسه، وصف رئيس لجنة الإنقاذ الدولية ديفيد ميليباند الوضع في السودان بأنه أكبر أزمة إنسانية وثقتها اللجنة منذ تأسيسها، مشيراً إلى تدخلات إقليمية معقدة وتغير مستمر في خطوط القتال، ومحملاً المدنيين العبء الأكبر. وربط ميليباند استمرار الحرب بالإفلات من العقاب، داعياً إلى إجراءات دولية أكثر حزماً تستهدف الجهات المشاركة والمستفيدة من النزاع، وإلى دور أممي أكثر فاعلية سياسياً وإنسانياً.

وتزامنت هذه التحذيرات مع مداخلات من ممثلي غرف الطوارئ في السودان، الذين أشاروا إلى تحديات ميدانية جسيمة، تشمل نقص الموارد وتدهور الأوضاع الغذائية، إضافة إلى تعرض المتطوعين للتوقيف والخطف والقتل، مع انتقادات لضعف الاستجابة الدولية في دول الجوار.

وفي البعد السياسي والدبلوماسي، برزت تحركات إقليمية ودولية لاحتواء الأزمة، إذ بحث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال لقاء على هامش منتدى دافوس، الجهود المشتركة لإنهاء النزاع في السودان، مع التأكيد على أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية وتعزيز التحرك الدولي لتخفيف الأوضاع الإنسانية. كما ناقش اللقاء قضايا إقليمية أوسع، من بينها مبادرات للسلام، والوضع في غزة ولبنان، وملف مياه النيل، في سياق يعكس تشابك الأزمة السودانية مع ملفات إقليمية متعددة.

وفي القاهرة، ناقش مركز إيجبشن إنتربرايز للسياسات والدراسات الاستراتيجية مسار الحرب وتداعياتها المستقبلية، بمشاركة قوى سياسية سودانية وشخصيات أكاديمية وإعلامية، حيث تركزت النقاشات على الرؤية المصرية، ومواقف القوى السودانية من المبادرات الإقليمية والدولية، وسبل تعزيز المسار السياسي. وأكد ممثلو تحالف صمود أهمية تفعيل خطة الرباعية، وتوحيد القوى المدنية حول مشروع سياسي يعالج جذور الأزمة ويعيد بناء مؤسسات الدولة، مع التشديد على فصل العمل السياسي عن المؤسسة العسكرية.

وفي تطور يعكس تصاعد التباينات الإقليمية، كشفت تقارير عن أن المملكة العربية السعودية تضع جميع الخيارات على الطاولة للحد من نفوذ قوات الدعم السريع، في ظل مخاوف من أن يشكل تنامي نفوذها تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة وأمنها الاستراتيجي. ويأتي هذا الموقف في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لوقف القتال والبحث عن تسوية سياسية شاملة تنهي نزاعاً مستمراً منذ أبريل 2023.

وبين تصعيد ميداني متواصل، وأزمة إنسانية خانقة، وتشابكات إقليمية ودولية معقدة، يبدو المشهد السوداني مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، تظل كلفتها الإنسانية هي الأعلى، في انتظار اختراق سياسي قادر على كبح جماح الحرب ووضع البلاد على مسار مختلف.

Exit mobile version