أمين عكاشة.. رحيل “العميد” وسادن الوفاء لجنوب السودان (1850 – 2026)

مشاوير - قراءة: عادل فارس

في رحاب عاصمة المعز القاهرة، وتحديداً يوم السبت ٢٤ يناير ٢٠٢٦م ترجل الفارس الذي لم تكسره السنون، وطويت صفحة من أنصع صفحات التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والنضالي في وادي النيل.

الخبر الآليم

غيب الموت “شيخ تجار جنوب السودان” وعميد أسرة عكاشة، الرمز الوطني الكبير أمين عكاشة، الذي تجاوز عمره القرن من الزمان، قضاها شاهداً على عصر العمالقة، وحارساً لإرث عائلي ضارب في عمق الأرض الجنوبية لأكثر من مائة وسبعين عاماً.

وريث الأمبراطورية الأخلاقية والتجارية

لم يبدأ تاريخ أمين عكاشة في الجنوب مع جيله، بل هو وريث “إمبراطورية أخلاقية وتجارية” بدأت منذ منتصف القرن التاسع عشر. فأسرة عكاشة استقرت في أراضي جنوب السودان منذ ما يقرب من 170 عاماً، حيث كان والده من الرواد الأوائل الذين عبروا النيل وجابوا الاستوائية وبحر الغزال، ليس كعابري سبيل، بل كمواطنين ومؤسسين.

ورث أمين عن والده ليس فقط مهارات التجارة، بل “عقيدة الحب” للجنوب وأهله. ففي حين كان الكثيرون يرون في الجنوب محطة مؤقتة، كان آل عكاشة يرون فيه وطناً نهائياً. لقد تشرب الراحل حب الأرض من والده الذي أوصاه بالجنوب خيراً، فكان أمين خير خلف لخير سلف، مكملاً مسيرة قرن ونصف من الارتباط العضوي بالتراب الجنوبي.

و خلافاً للصورة النمطية لرجال الأعمال الذين يخشون على مصالحهم من تقلبات السياسة، كان أمين عكاشة “فدائياً” بامتياز. كان من أوائل الداعمين لـ الحركة الشعبية لتحرير السودان منذ انطلاقتها الأولى، ولم يكن دعمه مجرد تعاطف عابر، بل كان دعماً لوجستياً ومادياً ومعنوياً في أحلك الظروف.

الثمن الذي دفعه طوال حياته

وكان ضريبة هذا ان دفع الراحل ثمن مواقفه الوطنية غالياً، حيث تعرض للاعتقال والاضطهاد والتضييق من قبل الأنظمة المتعاقبة بسبب انحيازه لقضايا الجنوب. لكنه ظل صامداً كالطود العظيم جبل كجور ، لا يلين ولا يساوم.

وقد جمعته علاقة استثنائية وعميقة بزعيم الحركة الشعبية الراحل د. جون قرنق دي مبيور، الذي كان يرى في أمين عكاشة رمزاً للوطنية الصادقة والحكمة التجارية. كما امتدت علاقاته الوثيقة لتشمل القائد جوزيف لاقو ورفاق النضال الأوائل، وكان دائماً مرجعاً يستشيره الرؤساء والقادة الذين تعاقبوا على حكم السودان وجنوبه، لما يملكه من بصيرة نافذة وتاريخ ناصع.

ماثره وافضاله وما خفي أعظم

الي ذلك كله واكثر لم تكن تجارة أمين عكاشة تهدف لتكديس الثروات، بل كانت “وقفاً للعامة” نعم عُرف عن الراحل وبقية أفراد أسرته وأبنائه من بعده، نهجاً فريداً في التكافل الاجتماعي ذلك ان ديوان الأمة ظل بيته وفندقه وكافة مؤسساته العاملة في جوبا وغيرها مفتوحة على الدوام لكل سوداني وجنوبي. وكان يقيم إفطاراً سنوياً للعامة، لا يُستثنى منه أحد، حيث يمتزج فيه البسيط بالمسؤول في تلاحم إنساني قل نظيره. لعل أعظم إنجازات الراحل هو استثماره في “الإنسان” نعم فقد كفل أعداداً لا تُحصى من الأيتام ودورهم، وتبنى تعليم آلاف الطلاب والدارسين في جميع المستويات الأكاديمية (من المدارس الصغرى وحتى الجامعات والدراسات العليا).

وقد انعكس حبه للعلم على أسرته الصغيرة، فأنجب وربى جيلاً من الدكاترة والأساتذة والمهنيين والمبدعين، الذين يحملون اليوم مشاعل التنوير في مختلف الميادين، مواصلين مسيرة والدهم في البذل والعطاء.

يا سادة..

نخلة الشمال وأبنوس الجنوب

لقد كان أمين عكاشة “وتداً” يربط الماضي بالحاضر، وشرياناً يغذي قيم الأمانة والصدق في سوق التجارة. رحل بعد أن أوفى وكفى، ولم يستبقِ شيئاً لنفسه، بل وهب عمره وماله وأبناءه لخدمة الأرض التي أحبها.

برحيله، تفقد “جوبا” أحد أعمدتها التاريخية، ويفقد الجنوب حكيماً كان يزن الأمور بميزان الذهب. إن عزاءنا في رحيله هو هذا الإرث الضخم من المحبة، وهذا الجيش من الطلاب والمهنيين الذين تعلموا بفضله، وهذه السيرة العطرة التي ستظل ترويها الأجيال عن “عكاشة” الذي أحب الجنوب فأحبه الجنوبيون.

رحم الله الفقيد الكبير أمين عكاشة، وأنزله منازل الصديقين والشهداء، وألهم أسرته وأبناءه وشعب جنوب السودان الصبر والسلوان.

“إنا لله وإنا إليه راجعون”

والحمدلله على ما اراد فلله ما اعطى وله ما أخذ ….

Exit mobile version