ترك .. ورقة ضغط قديمة في حرب جديدة!!

أشرف عبدالعزيز

أطلق الناظر محمد الأمين ترك، أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في شرق السودان والداعمين المعلنين للجيش والحركة الاسلامية ، أطلق تصريحات مثيرة للجدل تهدد بفتح البحر الأحمر أمام القوات الروسية لإقامة قاعدة بحرية تستهدف الولايات المتحدة.

هذه التصريحات، التي تأتي بعد زيارة له إلى موسكو، تستحضر أسلوب الضغط السياسي الذي نجح فيه ترك سابقاً، لا سيما في عام 2021 عندما استخدم إغلاق ميناء بورتسودان لتعطيل الحكومة المدنية.

ومع ذلك، يرى مراقبون أن سياق الحرب المدمرة التي يشهدها السودان اليوم يقلل بشكل كبير من فعالية هذه التهديدات كأداة ضغط استراتيجية.

في عام 2021، كان ترك يتمتع بسلطة “المعرقل” القادر على تعطيل الحياة المدنية والاقتصادية لحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ما أدى إلى تآكل شرعيتها. لكن اليوم، الوضع مختلف جذرياً فعلى الرغم من دعم ترك للجيش، القوات المسلحة السودانية في حاجة ماسة للدعم العسكري للبقاء، وليس لديها فائض من القوة لتوظيفه سياسياً دولياً.

الأولوية القصوى للجيش وحلفائه حالياً هي منع الانهيار العسكري الكامل، وليس استخدام أوراق ضغط دبلوماسية معقدة.

التهديد بفتح القاعدة الروسية هو ورقة ضغط دولية، لكنها لا تقدم حلاً فورياً لتعويض الخسائر العسكرية الداخلية أو إيقاف تقدم قوات الدعم السريع.

في الماضي، كان إغلاق ميناء بورتسودان يمثل شللاً اقتصادياً مباشراً. أما اليوم، فاقتصاد السودان شبه منهار بفعل الحرب، وتم تحويل بعض مسارات الإمداد.

وفي المقابل أدت الحرب إلى خسائر اقتصادية تقدر بمئات المليارات وتشريد 15 مليون شخص. هذه الكارثة الإنسانية والاقتصادية تجعل من التهديد بتعطيل جزء من التجارة الدولية أمراً ثانوياً أمام حجم الدمار الداخلي.

في عام 2021، كانت واشنطن مهتمة بقضايا التطبيع والتحول الديمقراطي في الخرطوم. أما الآن، فالأولوية الدولية، بقيادة المجموعة الرباعية (الولايات المتحدة، الإمارات، السعودية، ومصر) والخطة الأميركية تركز على هدنة لمدة ثلاثة أشهر تليها عملية سياسية لإنهاء الأزمة. بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها، فإن استقرار المنطقة (بما في ذلك البحر الأحمر) أهم من التفاوض على شروط البقاء لسلطة سودانية مهزوزة.

رغم أن القاعدة الروسية على البحر الأحمر هي نقطة حساسة لواشنطن، فإن محاولات ترك لربطها بتهديد مباشر لترامب تبدو محاولة لتصدير خطاب قديم. المجتمع الدولي ينظر إلى هذه التصريحات كـ “مناورات إخوانية” تهدف لإطالة أمد الحرب والحفاظ على النفوذ السياسي والاقتصادي للتيارات المتحالفة مع الجيش، وليس كتهديد جيوسياسي حقيقي يمكن أن تغير قواعد اللعبة.

من الواضح أن ترك بتصريحاته هذه يتبنى خيار استمرار الحرب بدلاً من السلام الجاد، نابع من مخاوف عناصر النظام السابق الوجودية فأي مسار سلام حقيقي قد يؤدي إلى إصلاح القطاع الأمني وفرض التزامات تحد من قبضتهم السياسية والأمنية. بالتالي، تصريحات ترك قد لا تكون موجهة بالدرجة الأولى للولايات المتحدة، بل هي رسالة للداخل لرفع الروح المعنوية للحلفاء وإظهار استمرار القدرة على المناورة الدولية.

تصريحات الناظر محمد الأمين ترك محاولة غير ذات جدوى لاستخدام أوراق ضغط جيوسياسية قديمة في مواجهة واقع كارثي جديد. ففي عام 2021، كان ترك يساوم على الحكومة المدنية في سياق دولة موحدة نسبياً. أما اليوم، فإنه يساوم على بقايا الدولة السودانية التي تنهار تحت وطأة حرب أودت بحياة أكثر من 150 ألف شخص.

إن حجم الكارثة الإنسانية والعسكرية والتهديد بانهيار كامل للدولة يطغى على أي تهديد بـ “فتح البحر الأحمر”.

وبينما قد تستمع روسيا إلى هذه الدعوات، فإن المجتمع الدولي اليوم أقل استعداداً للمساومة على السلام مقابل قاعدة عسكرية، وأكثر تركيزاً على الضغط لإنهاء النزاع الذي يهدد استقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها.

ولذلك، من المرجح أن تبقى تصريحات ترك مجرد تهديدات لفظية عاجزة لا تمتلك قوة تعطيلية حقيقية أمام إرادة الأطراف الدولية لإجبار المتحاربين على القبول بمسار سلام حتمي.

Exit mobile version