عبد الكريم الكابلي .. مطر الإبداع في خريف البلاد (3/2)
صلاح شعيب
الواضح أن الكابلي لم يلجأ لحشو لَحْنه بالمقدمات الموسيقية الكثيفة حتى يعطي المتلقي انطباعاً بتصنيع مفرداته الموسيقية، كما كان هذا الأسلوب هو دأب كثير من الملحنين الجدد، والذين تغيب السلاسة في موازيرهم وجملهم الموسيقية بدعوى التحديث للميلودية السودانية الواضحة والسلسلة في تموجاتها النغمية، صعوداً، وهبوطاً.
وإلى ذلك يقول الأستاذ السر أحمد قدور “إن للكابلي دوراً كبيراً في إعادة القصيدة الفصحى إلى الغناء السوداني في فترة الستينيات الماضية وما بعدها. لو أراد أحد الدارسين لشعر الغناء السوداني وتطوره منذ نهاية الخمسينات الماضية وحتى الآن فإنه سيضع الشاعر عبد الكريم الكابلي مع شعراء المقدمة في هذه الفترة.
لا لأن الكابلي كتب أغنيات تغنى بها هو وتغنى بها سواه، ولكن لأن الكابلي الشاعر صاحب أسلوب خاص في التناول.
وإذا كان بعض المطربين قد سبقوه في كتابة أغنيات لأنفسهم مثل الكاشف عندما ألف لنفسه أغنية (الحبيب) والعاقب محمد حسن عندما كتب (العودة لمتين) وغيرهما، فكانت محاولاتهم مجرد حالات متفرقة ونادرة.
فالأمر عند الكابلي يختلف تمام الاختلاف، فهو منذ البداية أراد أن يعبر عن نفسه بأسلوب آخر.
وحتى عندما تغنى بشعر الآخرين فهو يبحث عن هذا الأسلوب الآخر. وهو صاحب تعبير متفرد وجديد.
وإذا جاز التأمل في النصوص التي غناها الكابلي فإنها تنوعت برغم أن خيطاً وجدانياً واحداً يربط بينها. فالكابلي كتب وغنى شعر: الأغنية التقليدية و”المسادير” والتراث، الشعر العربي القديم والحداثة، شعر سوداني فصيح وشعر المديح. ولعل كل هذه النماذج التي عمق بها الكابلي مشروعه الغنائي تولدت من بيئة شعر الغناء السوداني إجمالاً.
ولا شك أن هناك إهمالاً في تصنيف وحصر هذه النماذج الشعرية.
ولا ندري إلى أي مدى يمكن أن يساعدنا باحث حريص على تاريخ الغناء لأداء دور التصنيف والأرْشَفة في زمن التوثيق الرقمي السهل الإنجاز.
والحقيقة الثانية هي أن هذا الكم الشامل من المواضيع التي شدا بها الكابلي تتنوع لترصد التطور الشعري لمبدعينا في هذا المجال.
وهذا التنوع نفسه يرتبط بتنوع قضايا الغناء السوداني تاريخياً. ولئن كان مبدعنا قد غنى لتمدد قيم الحرية، والسلام، والحب، والكرم، والشهامة، والمروءة، وجمال البيئة، والوجوه، والعيون، إلخ، فما أحوجنا إلى سَفَرٍ مُحْكَم لإبانة كل هذه القيم بمفردها من خلال علاقتها بحراك المجتمع.
وكذا للوقوف على قدرة شعراء الأغنية على التعبير عن همومهم الوجودية، والنفسية، والوطنية.
وهنا يقول د. نور الدين ساتي، ممثل السودان السابق في اليونسكو، “إن صيت الكابلي، وأثره، لم يكنا محدودين للسودان وحده.
ففي جولاته الخارجية حول العالم حمل معه رسالة السلام، والمحبة لكل الإنسانية، وكان من التقدير الآجل أن عينته الأمم المتحدة سفيرا للنوايا الحسنة.
وكنت قد عثرت على فرصة لأكون شاهداً على مساهمة الكابلي الكبيرة لتطوير ثقافة السلام على مستوى أفريقيا، والعالم على مستوى أشمل.
فقد زارنا الكابلي في باريس عام 1994 حينما كنت سفير السودان في فرنسا، وممثله في اليونسكو. نظمنا له محاضرة شهدها عدد كبير من السفراء، والممثلون الدائمون في اليونسكو والتي كانت عن الموسيقى والتراث السوداني.
كان برفقته الراحل محمدية، وهو أفضل عازف للكمان. قدم الكابلي ومحمدية مقاطع من الغناء، والموسيقى، السودانية في تلك الأمسية التي أذهلا فيها أعضاء من سكرتارية اليونيسكو المسؤولين عن التراث الموسيقي الذين حضروا تلك المحاضرة.
فقد أبان لهم الكابلي معرفته الواسعة، ومواهبة التواصلية، والتي دعتهم لتوجيه الدعوة إليه للمشاركة في مؤتمر إقليمي عن التراث الموسيقي عُقد في نيامي، عاصمة النيجر.
وقد شارك الكابلي في ذلك المؤتمر، وقدم مساهمة كبيرة ونوعية، وفقا لرسالة وصلتني من “شيكليك ومدام إيكا” اللذين نظما زيارته لنيامي.