سيرةُ الغُرْبَةِ واللغة .. تأمّلات في عوالمِ محمدِ سليمانَ الفكيِّ الشاذلي الإبداعية

الدوحة - مشاوير: مجدي علي

تشكّل “الغُرْبَة” في تجربة الكاتب والروائي السوداني محمد سليمان الفكي الشاذلي مفتاحًا أساسيًا لفهم عالمه السردي والشعري ومزاجه الإبداعي. فهي ليست تفصيلاً عابرًا في سيرته، بل عنصرًا فاعلًا أسهم بعمق في صياغة رؤيته للكتابة، بما وفّرته له من احتكاك مباشر بثقافات متعدّدة ومعرفةٍ مضافةٍ تجاوزت حدود المكان الأوّل. هذا الاحتكاك وسّع أفقه المعرفي واللغوي، وصقل أدواته السردية، وعمّق وعيه بالكتابة بوصفها فعلًا إنسانيًا كونيًا متجذّرًا في التجربة والوجود، لا منفصلًا عنهما.

وربما كانت هذه الغُرْبَة الممتدّة، بكل ما حملته من أسفارٍ وتنقّل، سببًا أيضًا في ابتعاد صورته نسبيًا عن واجهة الإعلام والمشهد الثقافي المحلي، على الرغم من تفرّد منجزه وعمقه. فقد عاش الشاذلي سنواتٍ طويلة متنقّلًا بين باريس ولندن ونيويورك ودبي والدوحة، منذ أن بدأ مسيرته المهنية في الإعلام والعمل الثقافي بعد تخرّجه خارج الوطن، دون أن يحظى بإقامةٍ مستقرةٍ في السودان تتيح له كتابةً متأنيةً وعميقة، وهو ما يعبّر عنه بوضوح حين يقول: “الوقت لم يمكّنني من الكتابة بشكلٍ أعمق أثناء وجودي بالوطن”.

نشأة مؤثّرة

وُلد محمد سليمان الفكي الشاذلي في أم درمان عام 1964، ونشأ في بيئةٍ ذات جذورٍ أسريةٍ متنوّعة؛ فالوالد من الرميلة والعوامرة، والوالدة من الشيخاب جنوب شندي. بدأ تعليمه بأم درمان في خلوة الشيخ الفنجري لحفظ القرآن الكريم، ثم واصل دراسته في مدرسة الكتيابي الابتدائية، فمدرسة حيّ العرب الثانوية العامة، ثم مدرسة محمد حسين الثانوية العليا. وفي عام 1983 التحق بجامعة الخرطوم لدراسة اللغة الفرنسية وآدابها، وتخرّج عام 1987 حاصلًا على بكالوريوس الآداب والتربية.

لاحقًا، ابتُعث إلى جامعة بواتييه الفرنسية لاستكمال برامج التأهيل الأكاديمي في الآداب والتربية. هذا المسار التعليمي المبكر، المشبع بالقرآن واللغة والبيئة الشعبية، ترك أثرًا عميقًا في تكوينه اللغوي والخيالي، وأرسى مبكرًا علاقةً خاصةً بينه وبين اللغة والسرد.

من رحم هذه النشأة تشكّلت عوالم الشاذلي الروائية. فهو يعترف بأن حفظه المبكر للقرآن منحه حسًّا خاصًا بالموسيقى الداخلية والجرس اللغوي، وقاده إلى الكتابة وفق إيقاع اللغة نفسها. كما لعبت المكتبة المدرسية والقراءة دورًا محوريًا في بناء حصيلته اللغوية، إذ يرى أن الكتابة رهينة القراءة، ويؤكّد أن: “البناء الكتابي يقوم على اللغة، وبدون اللغة لا يمكن للكتابة أن تستقيم”.

وإلى جانب ذلك، كان لتأثّره بالبيئة الأسرية، ولا سيّما جدّته الحافظة للحكايات الشعبية، دورٌ كبيرٌ في إثراء خياله السردي وتوسيع أفقه التخييلي، وربما منحه بعض الجنوح والخيال في بناء العوالم والشخصيات.

وعلى الرغم من أن علاقته بالكتابة بدأت منذ الطفولة، فإن روايته (الوداعات السبع والقصة المحرَّمة)، التي كتبها خلال سنوات الدراسة الجامعية، شكّلت محطةً مفصليةً في مسيرته. فقد فازت بجائزة الجامعة، ورسّخت تجربته السردية، ومنحته الثقة اللازمة للانطلاق في مشروعه الروائي بثباتٍ ووعي.

رواية ساعات يهودية

مسار الرؤية

كتب الشاذلي معظم أعماله الروائية والشعرية خارج السودان، وهو يرى أن الغُرْبَة لم تكن عائقًا أمام الكتابة، بل محفّزًا جوهريًا لها. فالغُرْبَة، كما يصفها، “تعمّق الإحساس بالفقدان، وتكثّف الحنين إلى الماضي، وتمنح الكاتب قدرةً أوضح على تأمّل وطنه من مسافةٍ تسمح بالرؤية والنقد والحنين معًا، كما أنك في الغُرْبَة تميل إلى التقاط الجانب المشرق من الأشياء”.

ومن هذا المنطلق جاءت أغلب رواياته مكتوبةً في المنافي، حاملةً مزيجًا واعيًا بين الانتماء الوطني الخاص والخبرة الإنسانية العالمية، حيث تتقاطع الذاكرة المحلية مع أسئلة الوجود الأوسع. ويعبّر الشاذلي عن هذا الوعي المزدوج بقوله: “الغُرْبَة تخلق فيك الإحساس بالفقدان، ويصبح الحنين أقوى، وترى المكان الذي نشأت فيه بشكلٍ أوضح”. هذا الحضور والغياب المتزامنان للمكان منحا كتاباته نبرةً تأمّليةً مشبعةً بالحنين، وبحثًا دائمًا عن الجذور والمعنى.

ورغم طول الرحلة وتعدّد المنافي، ظلّ السودان مصدره الأعمق والأوّل للإلهام. فمن يقرأ أعماله يدرك أنه ابن بيئته، كأنه لم يغادرها يومًا.

المجتمع والتاريخ والبادية والمدن والتحوّلات الاجتماعية والقضايا الإنسانية الكبرى، جميعها تحضر في نصوصه مادّةً حيّةً لا تنفصل عن رؤيته للعالم. وهو يؤكّد ذلك بقوله: “أنا لا أكتب كمن ينظر من الخارج، بل كمن يحمل هذه التجربة في دمه. حتى حين أكتب عن عالمٍ مختلف، تظلّ بصمة السودان موجودةً في رؤيتي للعالم”.

عوالم مختلفة

يُعدّ الشاذلي صوتًا أدبيًا مميّزًا يجمع بين خيالٍ سرديٍّ وشعريٍّ واسعٍ ومعرفةٍ عميقةٍ بالثقافة السودانية والعالمية. ففي عوالمه الروائية يقدّم مشروعًا متماسكًا يقوم على مساءلة الإنسان في أقصى لحظاته، حيث تتقاطع الحرب مع الهوية، والذاكرة مع الفقد، واللغة مع التجربة الحياتية.

محمد سليمان الفكي الشاذلي

تتميّز رواياته ببنائها المركّب وكثافتها التصويرية، ولغتها المشبعة بالعاطفة والخيال؛ فاللغة عنده ليست أداةً لنقل الفكرة فحسب، بل جزءٌ أصيلٌ من التجربة نفسها. ويعبّر عن ذلك بقوله: “أنا أميل إلى العاطفة الفوّارة أكثر من ميلي للعقلانية البحتة”.

في تصوّره، الرواية وسيلةٌ لفهم الإنسان في لحظاته القصوى، وكشف كيفية تَشكّل القيم تحت ضغط الصراع، وكيف يُعاد بناء الوعي في ظلّ العنف والدمار. وعلى الرغم من تأثّره بتقنيات السرد الغربية مثل تعدّد الأصوات وتفكيك الزمن والمكان، فإنه يوظّف كلّ هذه الأدوات لخدمة اللغة التي يكتب بها، في مزجٍ واعٍ بين التقليدي والحديث.

يتجلّى هذا الأسلوب في أعماله المتنوّعة، بدءًا من رواية (طبيعة غير صامتة)، التي تستكشف العلاقة بين الإنسان والمكان، حيث يتحوّل الفضاء الطبيعي من خلفيةٍ صامتةٍ إلى عنصرٍ فاعلٍ يشارك في تشكيل الوعي والسلوك. تمزج الرواية بين التأمّل الفلسفي والسرد الإنساني، وتكشف هشاشة الفرد أمام تحوّلات البيئة والسلطة والذاكرة، بلغةٍ مكثّفةٍ وإيقاعٍ داخليٍّ قريبٍ من الشعر. ثم في أعمالٍ أخرى مثل (الإطلال الجديدة)، (حدث ذات مرة في دبي)، (بيتي بين الأموات)، (معًا إلى الموت)، (دهليز البلدة)، (مقاطعة الضوء الأحمر)، التي تمزج بين التراث العربي الكلاسيكي والخيال المعاصر وتقنيات السرد الغربية، مع قدرةٍ لافتةٍ على الانتقال بين الواقعي والرمزي والتاريخي، وتركيزٍ دائمٍ على الإنسان ومصيره في مواجهة العنف والتهميش، ومجموعاته الشعرية (القنافذ تبكي شتاءً) و(البَجعُ الذي يتراءى فيلة).

وضمن هذا الإنتاج الثري، تبرز أيضًا رواية (صقر الجديان) بوصفها عملًا ذا أفقٍ رمزيٍّ سياسيٍّ واجتماعيٍّ، مستلهمة الواقع السوداني وتحولاته القاسية، لتقدّم حكايةً عن القوّة والانكسار وصراع القيم في مجتمعٍ مأزوم. أمّا روايته الأشهر (السوادُ المرّ) فتمثّل ذروة نضجه السردي، إذ تتناول صراعاتٍ سياسيةٍ ودينيةٍ واجتماعيةٍ معقّدة، من خلال شخصية كاجين الإيزيدية، وتمتدّ أحداثها بين ريف الحسكة والموصل ولندن، وقد تُرجمت إلى الإنجليزية وتُدرّس اليوم في الجامعات الأمريكية ضمن مناهج سياسات الشرق الأوسط.

حظيت أعمال الشاذلي بإشادةٍ نقديةٍ واسعةٍ نظرًا لمعالجتها الجريئة للقضايا الدينية والسياسية والاجتماعية، وبراعته السردية وعمق خياله. واعتُبرت أعماله جسرًا بين الرواية السودانية والغربية، مضيفة ثراءً للثقافة العربية المعاصرة، وهذا ماجعلها تحظى باهتمام النقاد والقراء على حدٍّ سواء. وقد نال عليها عددًا من الجوائز، منها جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي (2013)، ومشاركته في جائزة كتارا للرواية العربية، غير أنه يؤكّد دائمًا أن الجوائز تشكّل دعمًا معنويًا لا أكثر، وليست معيارًا نهائيًا لقيمة الكاتب، مستشهدًا بأن الطيب صالح لم يفز بأي جائزة في حياته.

رواية السواد المر

الكتابة بالإنجليزية

ولعلّ من أبرز سمات تجربة محمد سليمان الفكي الشاذلي خوضه تجربة الكتابة باللغة الإنجليزية بجانب العربية، وهي مغامرة لم تكن مخطّطةً مسبقًا، بل فرضتها حياته ومساره الشخصي. العربية تمثّل بالنسبة له الجذور والهوية والوجدان العميق، بينما الإنجليزية تمثّل فضاءه المعاصر وتحدّيًا إبداعيًا وفكريًا يتيح له الوصول إلى جمهورٍ أوسع. في هذا المزج نجح الشاذلي، الذي يتقن الإنجليزية على المستوى الأدبي والمهني ببراعة، في الجمع بين الحسّ الموسيقي للفصحى، المتأثّر بالقرآن والتراث الشعبي، وتقنيات السرد الغربية، دون أن يقع في فخّ التقليد، محافظًا على روحه الخاصة في النص.

حتى عند الكتابة بالإنجليزية، يحرص الشاذلي على الحفاظ على روح النص العربية، ويُدخل مفرداتٍ محليةً يصعب ترجمتها، باعتبارها عناصر ثقافيةً أساسيةً تعكس خصوصية بيئته وهويته. وقد تجلّت هذه الصياغة في أعماله المكتوبة بالإنجليزية، مثل رواية (ظلّ الجنوب)، التي تعالج قضايا الهوية والهامش والتحوّلات الاجتماعية، مع حضورٍ واضحٍ للذاكرة السودانية في إطارٍ سرديٍّ موجَّهٍ للقارئ العالمي. وكذلك رواية (ساعات يهودية) التي تتناول الزمن والهوية والدين والسياسة، مع الاهتمام بالتقاطعات الإنسانية والثقافية الحسّاسة. ثم رواية (جريمة قتل في الريف الإنجليزي)، التي تستثمر الفضاء الريفي البريطاني للكشف عن تناقضات المجتمع وعمقه الاجتماعي.

بهذا التوازن بين اللغتين والثقافتين، يقف الشاذلي كجسرٍ حيٍّ بين التجربة السودانية المحلية والوعي العالمي، محافظًا على بصمة بلده في كل نص، ومؤكّدًا قدرة الأدب على نقل التجربة الإنسانية بعمقٍ وصدق، بعيدًا عن الانحياز إلى أي قالبٍ جاهزٍ أو تقليدٍ أعمى.

مواقف ورؤى

لا يقتصر حضور الشاذلي على كونه كاتبًا وروائيًا، بل يتعدّاه إلى كونه مراقبًا واعيًا لتحوّلات المجتمع والسياسة، وناقدًا للظواهر الاجتماعية والثقافية.

فهو يرى الحروب انعكاسًا لأزماتٍ إنسانيةٍ وثقافيةٍ ونفسيةٍ، لا مجرّد صراعاتٍ عسكرية، ويرفض تبرير العنف باسم الدين أو السياسة. وتفكّك أعماله جذور التطرّف، مؤكّدةً أنه ظاهرةٌ عابرةٌ للحدود، تنشأ من تراكم الفكر المتشدّد وغياب النقد الذاتي.

وهو في المجمل يؤمن بأن الأدب والفن أداتان للتنوير وكشف الظلم، وأن الكتابة فعلُ مقاومةٍ معرفيةٍ لا ترفًا جماليًا.

إحدى رواياته

ختامًا

وفي المُحصِّلة، تُؤكِّد هذه السياحة العَجلى أن تجربة محمد سليمان الفكي الشاذلي المهنية تضعنا أمام نموذجٍ إعلاميٍّ وصحفيٍّ مهنيٍّ، مُثقَّفٍ ومُتمكِّن، نجح وتميَّز في الكتابة الإعلامية والصحفية، وفي إنتاج التقارير والأفلام الوثائقية، والعمل الإعلامي الرصين باللغتين العربية والإنجليزية داخل مؤسّساتٍ إعلاميةٍ كبرى.

غير أن الأهمّ أن القراءة كانت محاولة لسبر أغوار روائيٍّ وقاصٍّ وشاعرٍ يقدّم صوتًا متفرّدًا في الرواية السودانية، يمزج بين عمق التجربة المحلية واتساع الوعي الكوني، دون أن يفقد انحيازه لأسئلة المكان الأوّل. كاتبٌ أسهم من خلال إنتاجه الوافروالمميّز في إثراء مسيرة السرد وفتح آفاقٍ جديدةٍ للرواية المعاصرة، محتفظًا ببصمة السودان حيّةً في كل ما يكتب، سواء بالعربية أو الإنجليزية، مكرِّسًا مكانته، حتى وإن غابت عنه الأضواء، كأحد أعمدة الأدب السوداني الحديث.

 

 

Exit mobile version