“شواغر زينب السيد المتحجّرة” : رحلة في خلجات القلب والروح
الدوحة - مشاوير: مجدي علي
تعترف زينب السيد باعتزازٍ وبلغةٍ أنيقةٍ بحيرتها عند توقيع أي نسخةٍ من كتابها (شواغر متحجّرة)، بين كونها كاتبةً أم قارئًا: “أجدني حائرةً في صفتي، هل أنا كاتبةٌ أم قارئٌ؟ أقرأ دائمًا هذا الكتاب أكثر من مرّةٍ في اليوم، فهو الكتاب المفضّل لدي بين آلاف الكتب التي تزيّن رفوف مكتبتي.
كتابتي له حرمتني متعة الكتابة عنه والإطراء عليه، كنت أتمنى أن أوقع النسخة الأولى لنفسي متباهيةً بامتلاك ذلك السِّفر الذي تمنيت أن أكون قارئه المفضّل.
هنا تتجلّى خصوصية (شواغر متحجّرة) لزينب السيّد، فهو كتابٌ كتبته وكتبها، يحمل تفاصيل ذاكرتها وأزمنتها المختلفة، الماضية والآنيّة والمستقبلية، حتى يصبح كل وصفٍ له وصفًا لها. لذلك تتعامل مع نقده بحساسيةٍ خاصةٍ، لأنه جزءٌ من كيانها وتجربتها الشخصية.
تجربة مختلفة
يُعدّ كتاب (شواغر متحجّرة: خلجات قلبٍ وروحٍ) تجربةً أدبيةً تتجاوز التصنيفات التقليدية بين الشعر والنثر، فهو ليس مجرد نصوصٍ قصيرةٍ ولا روايةً بالمعنى المعتاد، بل فضاءٌ شعوريٌّ ومجازيٌّ يسمح للقارئ بالغوص في العوالم الداخلية واختبار لغة الروح في أدق تفاصيلها.
تلك القصاصات الأدبية التي شكّلت الكتاب، كما تصفها زينب، تمثل تحدّيًا واضحًا للتصنيفات الأدبية التقليدية، إذ لا تعترف القوالب المعروفة بما يُسمّى (قصاصات أدبية)، فالنص عادةً يُدرج ضمن الشعر أو النثر أو القصة أو الرواية. وقد بدا هذا الإشكال واضحًا حين قصدت الكاتبة مكتب الملكية الفكرية لاستخراج الرقم الدولي المعياري للكتاب، فسألها الموظف عن تصنيف العمل، فأجابته ببساطةٍ لم تقنعه: قصاصاتٌ أدبيةٌ!.
غير أن هذه التسمية، في رؤيتها، لا تعني نصوصًا متفرقةً، بل مقاطع يمكن قراءتها منفردةً أو مجتمعةً لتشكّل مضمونًا كليًّا، حيث تتكامل الأجزاء حول فكرةٍ محددةٍ، مع إمكانية فصل بعض المقاطع دون أن يختل انسجام العمل. وتتأكد هذه الفكرة عند تأمل بنية الكتاب، حيث تتجاور النصوص مستقلةً ومتساندةً في الوقت ذاته.
ومن الملامح اللافتة التي تمنح الكتاب اختلافًا آخر أن الكاتبة تركت بين صفحاته صفحاتٍ وهوامشَ بيضاء، تشجع القارئ على كتابة تجربته الخاصة، ليتحوّل النص إلى حوارٍ حيٍّ بين الكتاب وقارئه.
إذن نحن أمام عملٍ جديدٍ يمزج بين الشعر والنثر والقصاصات الأدبية، يقدم نصوصًا قصيرةً لكنها مشحونةٌ بالمعاني والرموز والوعي الذاتي. صدرت النسخة الأولى من الكتاب عن دار (ويلوز هاوس للطباعة والنشر) عام 2023 في 106 صفحاتٍ، لكنها تفتح مساحةً واسعةً للتأمل تجعل القارئ يعود إليها مراتٍ عديدةً، ليكتشف في كل قراءةٍ طبقاتٍ جديدةً من المعنى.
شواغر زينب
بين الصفحات
لغة الكتاب شاعريةٌ واضحةٌ، تنقل القارئ بين الألم والأمل، الغياب والحضور، الغموض والوضوح. واعترافًا بأسبقية الشعر فيه تقول زينب: “الشعر هو الفصل الأول في مسيرة كل كاتبٍ ومفكرٍ، من خلاله يمكن كسر جمود الفكر وتحجّره، وتصبح المفردة سهلةَ التذوق، غنيةً بالمعنى”.
القصاصات الأدبية هنا ليست نصوصًا قصيرةً فحسب، بل وحداتٌ شعوريةٌ يمكن قراءتها منفصلةً أو مجتمعةً لتكوين معنىً شاملٍ، فيغدو الكتاب مرآةً للقارئ بقدر ما هو مرآةٌ للكاتبة.
اللغة مجازيةٌ لكنها قريبةٌ من حس الإنسان المعاصر، تتشابك فيها موضوعات الوجدان والغربة والذاكرة والوجود والأمل.
نصوص الكتاب في مجملها تعكس قدرة الكاتبة على المزج بين الحس الإنساني والتأمل الشعوري، حيث تصبح اللغة مساحةً للتنفيس واستعادة الأمل. ويظهر التناقض بين العنف والسلم الداخلي في صورٍ مجازيةٍ معبرةٍ، مثل قولها:
“ربما ننجح في أن نزرع حديقةً لا ينبت فيها رصاصٌ.
أرمي ضفاف الوقت بالنصوص، وأدوّن الأحداث السيئة في دفاتر النسيان”.
كما يتجلى حضور الغربة والحنين والذاكرة الثقيلة في مقطعٍ آخر:
“ما زلت غائبةً في مكانٍ ما..
أرى سربًا من الأموات يضعون أياديهم على ذاكرةٍ مفرطةِ البلادة”.
وتسلّط زينب الضوء على علاقة الكاتب بالكلمة باعتبارها وسيلةَ نجاةٍ نفسيةٍ وتمرّدًا على ضغوط الواقع:
“أنا امرأةٌ..
كلما تراكمت الأحلام بقربي، أتمسك بالمفردات لتنتشلني من براغيث المحيط، وأترك غرابة الأشياء لهم”.
حجر الأساس
يمثّل كتاب (شواغر متحجّرة) لحظةَ ميلاد زينب الأدبي الأولى، أشبه بطفلها البكر المحمّل بفرح الاكتشاف وقلق البداية، لذلك ظلّ الأقرب إلى روحها والأعزّ بين مؤلفاتها. ففيه تبلورت رؤيتها الأولى للكتابة، وتشكّلت لغتها وهي تختبر حدود التعبير بين الذات والعالم، ليصبح حجر الأساس الذي انطلقت منه أعمالها اللاحقة، لا بوصفها تكرارًا، بل امتدادًا طبيعيًا لتلك النواة الأولى.
ومع مرور الوقت، اكتشفت زينب أن هذا العمل الذي أسرها لا يختصر مرحلةً فحسب، بل يضيء فهم أعمالها اللاحقة، إذ تقول: “عندما كتبت (شواغر متحجّرة) ونشرته، كنت أظن أنني أدرك نسبية معانيه. وبعده نشرت كتبًا أخرى، لم أجد صلة القرابة بينها وبين شواغر متحجّرة، لكن بعد قراءاتٍ متعددةٍ لمؤلفاتي، اتضح لي جليًّا أن (شواغر متحجّرة) هو فهرسةٌ لمحتوى كل ما كتبته بعده”.
الاصدارة الادبية
مسيرة خارج القطيع
زينب السيد محمد عمر، خريجة كلية دراسات المجتمع والتنمية الريفية بجامعة بحري، كاتبةٌ سودانيةٌ شابّة، بدأت علاقتها بالأدب منذ الصغر، حيث كان شغفها بالكلمة والموسيقى والفن التشكيلي جزءًا من تكوينها. لم تكن رحلتها صاخبةً أو مثيرةً للأضواء، بل اتسمت بالهدوء والملاحظة الدقيقة للعالم.
كان الشعر حجر الأساس في تجربتها، إذ منحها القدرة على كسر الجمود وتحويل المفردة إلى تجربةٍ حسّيةٍ. كما لعبت العزلة دورًا في بناء شخصيتها الأدبية، مانحةً إياها فرصةَ التأمل بعيدًا عن ضغط القطيع.
رحلتها لم تقتصر على جنسٍ أدبيٍّ واحدٍ، بل تنقلت بين النثر والشعر والقصّة والقصاصات الأدبية، إلى جانب اهتمامها بالموسيقى والرقص والفن التشكيلي. وعندما سُئلت: لماذا تكتب؟ أجابت: “أكتب لأنني استشعر وجودي وكينونتي بالكتابة، وأستلذ بها، ثم لأنني وجدت الحقيقة فيما أكتبه وما تمليه عليَّ ذاتي”.
صدر لها بجانب (شواغر متحجّرة: خلجات قلبٍ وروحٍ) كتاب (حدس حتف) وهو مجموعةٌ قصصيةٌ تستكشف فيها لغتها السردية بعيدًا عن الذاتية المباشرة، وكتاب (امرأة معبد) الذي يواصل تجربة المزج بين الشعر والسرد بلمسةٍ فلسفيةٍ وتأمليةٍ.ومؤخرًا قدمت لرفوف المكتبات كتابها الأحدث (غُرّة الدهماء.. سيرة الجزء من التجربة).
ختام القصة
تقول زينب إن لكل كتابٍ قصّتين: واحدةً يكتبها المؤلف وأخرى يكتبها القارئ. و(شواغر متحجّرة) هي قصّتها، لكنها تركت للقارئ مساحةً ليكتب حكايته الخاصة، لتظلّ الرحلة بينهما حيّةً ومتجدّدةً، تجربةً مختلفةً تجمع بين الذات والآخر، بين القراءة والكتابة، بين الذاكرة والخيال.
وبالغوص في النصوص يتّضح حقيقةً أن الكتاب تجربةٌ وجدانيةٌ وفكريةٌ متكاملةٌ، نافذةٌ على العالم الداخلي للكاتبة، حيث تصبح اللغة جسرًا بين الذات والعالم، وتتحوّل المفردة إلى ذاكرةٍ وتجربةٍ، ويتحوّل الألم إلى معرفةٍ، والخبرة إلى نصوصٍ تستعيد حياتها كلما اقترب منها قارئٌ جديدٌ، ليجد فيها شيئًا من حكايته هو أيضًا.
وعلى محبّتها لوليدها الأوّل، إلا أن استمرار التجربة الإبداعية يقتضي من زينب أن تخرج من عباءة (شواغر متحجّرة)، لا قطيعةً معه، بل تجاوزًا طبيعيًا له نحو آفاقٍ أوسع وتجاربَ أكثر نضجًا وتحررًا.. فالنص المؤسِّس يظلّ نقطةَ انطلاقٍ لا محطةَ أخيرة.. وأنا على يقينٍ أن في معينها الكثيرَ مما لم يُكتب بعد، وأن رحلتها الأدبية ما تزال في بداياتها، تحمل في طريقها نصوصًا أخرى قادرةً على الدهشة، وعلى فتح نوافذ جديدة للغة والروح والخيال.