في الدول المستقرة، لا يطرح سؤال دور الجيش لأنه محسوم دستوريا. فوظيفة الجيوش معروفة:
حماية الوطن، وصون الدستور، والدفاع عن الحدود. وحين يصبح هذا الدور موضع جدل، فذلك مؤشر على خلل اعمق في بنية الدولة نفسها. السودان اليوم يعيش هذه اللحظة بدقة مؤلمة.
عقب سقوط الجنرال عوض بن عوف تحت ضغط الشارع، بدا ان المؤسسة العسكرية اتيحت لها فرصة نادرة لتصحيح مسار انحرف لعقود.
صعود عبد الفتاح البرهان قدم بوصفه انتقالا اضطراريا، لا حكما دائما، وتعهد بحماية الثورة وضمان السير نحو دولة مدنية دستورية. غير ان ما تلا ذلك كشف ان الازمة لم تكن في مرحلة الانتقال، بل في فهم وظيفة الجيش داخل الدولة.
منذ 2019، لم يبن مسار يعيد القوات المسلحة الى موقعها الطبيعي كمؤسسة مهنية فوق السياسة. لم تفكك شبكات التمكين التي اخترقت الجيش ثلاثين عاما، ولم تستعد هيبته عبر اصلاح مؤسسي حقيقي. على العكس، جرى الزج بالجيش في صلب الصراع السياسي، ثم في حرب داخلية مفتوحة، بلا تفويض دستوري ولا تعريف وطني جامع.
الدساتير لا تحمي نفسها، والجيوش وُجدت لحمايتها. لكن من ينقلب على الوثيقة الدستورية لا يستطيع الادعاء بأنه يحمي الدولة. ومن يختزل الامن في السلطة، يفتح الباب لتفكك الوطن.
الانقلاب على الانتقال المدني لم يكن مجرد تعطيل لمسار سياسي، بل كان ازاحة صريحة للدستور من موقعه المرجعي، ووضع القوة مكان القانون.
في هذا السياق، تآكلت وظيفة الجيش الاساسية:
بدل حماية الشعب، وجد نفسه طرفا في حرب يدفع المدنيون ثمنها. وبدل حماية الحدود، فُتحت الجبهات في الداخل. وبدل ان يكون ضامنا للنظام الدستوري، صار هو نفسه خارج الاطار الدستوري. هذه المفارقة ليست نظرية، بل واقعية، وتظهر في كلفة الحرب، وانقسام المجتمع، وتراجع فكرة الدولة.
الاكثر دلالة ان اي محاولة مدنية لفتح مسار سياسي او وقف للحرب تواجه بالتجريم والتخوين. هنا يصبح الخلاف ابعد من السياسة، واقرب الى سؤال الوظيفة:
هل الجيش اداة لحماية الدولة ام وسيلة لادامة حكم بلا سند دستوري؟ المفارقة ان العالم يتعامل بلغة الدستور والسياسة، بينما يُدفع الداخل نحو خطاب تعبوي لا ينتج دولة ولا سلاما.
لا توجد دولة حديثة بلا جيش قوي، ولا يوجد جيش قوي بلا دستور يحكمه.
وحين تدار المؤسسة العسكرية بعقلية التنظيم او الضرورة، لا بعقلية الدولة، فانها تخسر احترام شعبها قبل ان تخسر ثقة العالم. السودان لا تنقصه التضحيات، بل ينقصه الوضوح:
وضوح الدور، وحدود السلطة، ومكان الجيش في الدولة.
السؤال المركزي ليس من يحكم اليوم، بل كيف يحكم، وتحت اي مرجعية. فالجيش الذي يحمي الدستور يحمي نفسه، والجيش الذي يتجاوزه يضع مستقبله على المحك. وفي السودان، لا مخرج من هذه الحلقة الا باعادة تعريف وظيفة القوات المسلحة كما يجب ان تكون: حارسة للدولة، لا بديلة عنها.