في البناء والحدادة .. الحرب تجبر سودانيات على اقتحام مهن الرجال

مشاوير - تقرير: إشراقة علي عبد الله 

خلقت الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” لأكثر من 33 شهراً أوضاعاً إنسانية بالغة التعقيد، في ظل تواصل حركة نزوح المواطنين وبخاصة النساء والأطفال وكبار السن من مناطق الصراع الملتهبة بحثاً عن ملاذات آمنة وسبلاً للعيش لمواجهة تعقيدات الحياة.

هذا الوضع المأسوي دفع كثيراً من النساء النازحات اللاتي أصبحن يعلن أسرهن بعد فقدان الزوج جراء القتال، إلى اقتحامهن مجالات المهن الشاقة التي كانت حكراً على الرجال، كالعمل في صناعة الطوب الحراري والمخابز ونقل وحمل مواد البناء والحدادة وغيرها، وذلك سواء تحت لهيب الشمس الحارقة أو الشتاء القارس.

نساء سودانيات عاملات

نظرة سلبية

تقول خديجة موسى نازحة من مدينة كادقلي بولاية جنوب كردفان “الحرب تسببت في تغير نمط حياتنا وفرضت ظروفاً قاسية على كل الناس، فلكي تستطيع الأسرة تلبية حاجاتها المعيشية لا بد من كل فرد منها البحث عن مصدر رزق أياً كان نوعه، لأن فرص العمل باتت ضئيلة نظراً إلى قلة الأعمال وكثرة طلبات العمل، فأنا مثلاً منذ أن وصلت الخرطوم قبل سبعة أشهر نازحة من كادوقلي جنوب كردفان بسبب اشتداد القتال، فضلت أبحث عن عمل أياً كان نوعه، وأخيراً وجدت فرصة في كمائن صناعة الطوب البدائية على ضفاف النيل في ضاحية الجريف شرق الخرطوم”.

وأضافت موسى “لم أتردد في العمل في هذه المهنة على رغم أنها تعد من المهن الشاقة والتي تتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً، لأنه ليس أمامي خيار آخر وبخاصة أنني مسؤولة عن إعالة أطفالي الصغار ووالداي الطاعنين في السن وحاجتهما إلى أدوية الضغط والسكري باستمرار”.

وتابعت “صحيح أن المهن التي اتجهت النساء النازحات إلى ممارسها كانت حكراً على الرجال، لكن معروف أن المرأة في غرب السودان لها دور بارز في أعمال الزراعة والرعي، لذلك فإن تمكنها لأي نوع من الأعمال التي فرضتها ظروف الحرب داخل مناطق النزوح يعد أمراً طبيعياً سواء في كمائن الطوب أو الحدادة أو نقل مواد البناء وغيرها. فتعقيدات الحياة لم تمنحهن خياراً آخر، والواجب يحتم عليهن توفير عائد مادي يضمن لأفراد الأسرة حياة كريمة”.

ونوهت النازحة إلى أن “هذه المهن لا تخلو من الصعوبات والأخطار ونظرة المجتمع السلبية، وتعرضهن للتحرش والمعاكسات والاستغلال”.

نساء سودانيات عاملات

أخطار ومشقة

في حين، أوضحت أم كلثوم عبدالرحمن وهي نازحة من إقليم دارفور وتقيم حالياً داخل مدينة أم درمان، أن “الوضع المعيشي أصبح مؤرقاً لأية أسرة نازحة لعدم توافر المساعدات. فمنذ وصولنا إلى أم درمان بعد رحلة معاناة شاقة بسبب سوء الأحوال المعيشية في شمال دارفور التي وصلت إلى مرحلة المجاعة، لم نتلق إلا الفتات من بعض المارين في الطرقات، وبخاصة أن معظم تكايا الطعام توقفت تماماً مما أحدث حالاً من الجوع وسط المحتاجين في هذه المدينة”.

واستطردت عبدالرحمن “في ظل هذه الظروف الصعبة اتجهت وأبنائي نبحث عن عمل يمكنا من سد حاجاتنا المعيشية من دون الحاجة لطلب المساعدة من الآخرين. وبالفعل حصلنا على فرصة عمل في مجال تكسير كتل خشب الشاف، الذي يدخل في صناعة العطور السودانية، باستخدام المناشير أو الفأس وتقطيعه إلى قطع صغيرة، وهو عمل يتطلب جهداً بدنياً وتحمل ساعات العمل الطويلة التي تصل إلى 12 ساعة نصارع فيها البرد القارس وعتمة الظلام”.

وتابعت “وضعي ليس استثنائياً بل معظم النساء العاملات في الولايات الآمنة هن نازحات، باتت أوضاعهن مزرية بعد تعرض مناطقهن إلى عنف واسع النطاق، مما أدى إلى نزوح جماعي وإحداث تحول في الحياة لا يمكن تجاوزه إلا بالعمل، بغض النظر عن نوعه أو مدى خطورته”.

وختمت حديثها بالقول “في الحقيقة إن صاحب العمل تردد في البداية بالموافقة على عملي بحجة أن هذه الأعمال خاصة بالرجال فحسب، لأنها تتطلب سرعة وطاقة لا تتوافر عند النساء، إلى جانب الخوف من الإصابات، لكن وسط إصراري على العمل وقدرتي على إنجازه بالسرعة المطلوبة من دون معاناة، تراجع عن قراره وبات الأمر عادياً بالنسبة إليَّ”.

نساء سودانيات عاملات

دوافع متعددة

من جانبها، أشارت المتخصصة في الشأن الاجتماعي أحلام سيد أحمد إلى أن “خروج النساء للعمل، وبخاصة النازحات، وممارستهن مهناً شاقة كانت حكراً على الرجال لدوافع عدة، من بينها ظروف الحرب التي أفقدتهن العائل أو وجوده في محاور القتال أو انعدام فرص العمل البديل، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية في ظل تصاعد معدلات التضخم التي بدورها أدت إلى موجة غلاء فاحش”.

وواصلت سيد أحمد “معروف عن النساء في دارفور وكردفان هن في الأصل نساء مكافحات ويمارسن مهناً شاقة بدنياً في مجال الزراعة والرعي وقيادة آليات الزراعة. ومن الطبيعي في ظل أوضاعهن الراهنة الانخراط في أعمال مهما بلغت صعوبتها، إذ هناك نساء اكتسبن مهارات البيع والشراء وأخريات أصبحن عاملات في المخابز أو اللاتي ابتكرن لأنفسهن مهناً منزلية مثل صناعة الصابون والخبز وبيعهما في الأحياء أو الأسواق، لا سيما أن المرأة السودانية بصفة عامة لا تزال تدفع الثمن الباهظ لفاتورة الحرب الدائرة داخل البلاد، ومواجهتها التشرد والنزوح ومسؤولية إعالة أسرتها والحفاظ عليها من التفكك، خصوصاً بعد فقدان أزواجهن وأقاربهن”.

ومضت المتخصصة في الشأن الاجتماعي قائلة “هذه الظواهر عززت دراسات اجتماعية ونفسية، للوقوف على الواقع المأسوي الذي طاول النساء نتيجة الصراع، وإلى أي حد استطعن تخطي صدمات الحرب في مواقعهن الجديدة مع توفير الأمان النسبي لهن والعمل على تمكينهن اجتماعياً من خلال مشروعات إنتاجية بالتنسيق مع الجهات المعنية بالأمر”.

نساء سودانيات عاملات

رفع الوعي

ضمن السياق ذاته، أفادت المعالجة النفسية أسماء محمد جمعة بأن “النساء السودانيات وقع على عاتقهن مسؤوليات جمة على وجه الخصوص النازحات، إذ اضطرتهن ظروف الحياة لممارسة مهن تعد غريبة عليهن بحسب نظرة المجتمع التي كانت سائدة قبل الحرب، لكن الأوضاع المغايرة التي أفرزتها الحرب جعلت لا خيار أمام نساء كثر غير ممارستهن مهناً أياً كانت طبيعتها ونوعها للحصول على عائد مادي يساعد في تسيير أمور الحياة اليومية”.

وزادت المعالجة النفسية “يجب رفع الوعي المجتمعي خصوصاً وسط الرجال والتغلب على المفاهيم التي كانت سائدة قبل اندلاع الصراع، والتي تتعلق بالعادات والتقاليد المتراكمة أو بحسب ما يعتقده بعضٌ بأنها مهن غير لائقة بالمرأة، إذ إن الضرورة تقتضي مساندة النساء في كفاحهن من أجل الكسب المشروع في تربية أبنائهن وعدم التحرش بهن أو معاكستهن أثناء تأديتهن لمثل هذه الأعمال القاسية”.

Exit mobile version