في حادثة مأسوية هزت أركان مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان غرب السودان، وجعلتها في حالة صدمة وخوف، وأثارت ردود أفعال غاضبة من قطاعات عريضة في المجتمع السوداني ضجت بها مواقع التواصل الإجتماعي، تعرضت طفلة في السادسة من العمر لعملية اغتصاب كاملة الأركان على يد معلمها المتخصص في مادة التربية الإسلامية في إحدى مدارس المرحلة الابتدائية.
وتعود تفاصيل الواقعة إلى أنه “عقب انتهاء اليوم الدراسي عادت الطفلة لمنزلها، وكان يبدو عليها الإجهاد والإرهاق الشديدين، إذ أسرع والداها لأخذها إلى المستشفى للمعاينة. وبعد إجراء الفحوص أظهر الكشف الطبي أنها تعرضت للاغتصاب بصورة وحشية وعنيفة، وذكرت الطفلة أن معلم التربية الإسلامية أجلسها على رجليه، ثم صمتت ولم تكمل ما حدث لها، إذ إنتابتها حالة هستيرية أجهشت بالبكاء، وهي تقول أن المعلم هددها وأجبرها على عدم الحديث عما جرى”.
وبينما قامت الأسرة بفتح بلاغ جنائي ضد المعلم مرفق معه الكشف الطبي، حاولت إدارة المدرسة التستر على المعلم خوفاً على سمعتها ومكاسبها المادية، كذلك شهدت القضية تدخلات لعرقلة الإجراءات القانونية وتعطيلها بواسطة جهات نافذة. لكن بعد تسرب الخبر لمواقع التواصل الإجتماعي وما أثاره من موجة غضب، تحركت السلطات وألقت القبض على المعلم الذي أثبتت إدانته بعد أخذ عينة منه.
المؤسف أن الحكم الذي صدر في أواخر يناير في حق المعلم بسجنه 10 أعوام، كان بمثابة صدمة على أفراد أسرة الطفلة المغتصبة والناشطين والحقوقيين والأوساط السودانية كافة التي تابعت مجريات القضية باهتمام بالغ كونها هزت الضمير الإنساني، وهو ما دفع والد الضحية إلى الصراخ داخل قاعة المحكمة قائلاً “سأقتص لابنتي بنفسي”.
تهديد ورفض
قضية اغتصاب طفلة الأبيض لم تكن استثنائية، وإنما واحدة من مئات قضايا الاغتصاب التي طاولت أطفال السودان وأصبحت ظاهرة خطرة أسهم في تفاقمها الصراع الدائر بين الجيش وقوات “الدعم السريع” منذ اندلاعه في منتصف أبريل 2023.
في إحدى معسكرات الإيواء في مدينة سنار بولاية النيل الأزرق، تجلس النازحة مريم فضل الله أمام خيمتها، وهي تغالب دموعها قائلة “لا بد من إعادة النظر في الحكم القضائي الجائر والمحفز على الاغتصاب الذي صدر في حق من اغتصبوا ابنتي القاصر، الذي قضى بالسجن ثلاثة أعوام فقط في حق الجناة الذين دينوا بعد اعترافهم بارتكاب جريمتهم البشعة”.
وأضافت فضل الله “ابنتي وقعت ضحية لثلاثة أشخاص استغلوا نفوذهم الاجتماعي والمالي للتملص من الجريمة واستخدموا كل الأساليب الممكنة للتأثير في العدالة، فضلاً على تهديداتهم المتواصلة التي طاولت أفراد أسرتي لإجبارنا على التنازل عن القضية، وما عرضوه علينا من مبالغ مالية بلغت نحو 200 مليار جنيه سوداني (332.502 دولار)”.
تابعت “تمسكت بحق ابنتي ولم أخضع للتهديدات ورفضت بشدة كل أنواع المساومة، ولم أقبل بيع القضية حتى لا أفتح الباب لستباحة شرف فتيات أخريات”.
وأشارت النازحة إلى أن “العقوبة التي صدرت في حق الجناة لا تناسب فظاعة الجريمة ولا تحقق الردع المطلوب، بل تشجع الجناة على الإفلات من العقاب، إذ إن العدالة بتنفيذها هذا الحكم المخفف لم تنصف ابنتي ولن تحمي المجتمعات السودانية في ظل الفوضى التي أفرزتها الحرب وألحقت الضرر بالكبير والصغير”.
وختمت حديثها “أخشى من تعرضنا للملاحقة أو الاعتقال أو التصفية الجسدية بعد كسر حاجز الصمت، لا سيما أننا لا نزال في معسكر للنازحين مع فشل الحكومة في حماية المدنيين”.
أطفال السودان
تهديد بالسلاح
محمد عبدالله نازح من مدينة الخرطوم قال “أصبح هناك تربص بالأطفال والنساء من دون حماية، والمؤسف لم ننج من هذه الجريمة في المدينة التي يفترض أن تكون ملاذنا الآمن، إذ تعرضت إحدى بناتي للاغتصاب عندما اقتحم أفراد مدججون بالسلاح الأبيض والناري منزلنا وسط ذعر لا يمكن وصفه، وهددوا بقتلنا لدى القيام بأية حركة، واختاروا أصغر بناتي عمراً وتناوبوا على اغتصابها أمام أعيننا، وهي تستغيث لإنقاذها، لتصاب والدتها بوضع نفسي متأزم”.
واستطرد عبدالله “لن أسكت على جريمتهم كما هو معهود في المجتمع السوداني خوفاً من العار، وقمت بفتح بلاغ في مركز الشرطة حتى ينال المتهمون عقابهم بعد إلقاء القبض عليهم في غضون أيام قليلة. وعلى رغم اعترافهم بجريمتهم لم ينصفنا القضاء، إذ كنت أتوقع أن يصل الحكم إلى الإعدام أو المؤبد، لكن تفأجانا بصدور حكم مخفف أقصاه عامين، وهو أمر محزن”.
ونبه والد الطفلة الضحية إلى أن “هناك انتشاراً لافتاً في معدلات جرائم اغتصاب الأطفال والتهديد تحت حمل السلاح، مما يستوجب التحرك للحد من هذه الظاهرة وضرب أوكار العصابات مع توفير الحماية للنازحين الذين يواجهون تعديات المجرمين داخل منازلهم”.
ردع الجناة
في السياق، أكد رئيس مجلس أمناء هيئة محامي دارفور المكلف الصادق علي حسن أن “غياب العقوبة الرادعة غالباً ما يسهم في استمرار جرائم الاغتصاب التي طاولت الأطفال القصر أثناء الحرب المستمرة، لا سيما أن هناك ثغرات عدة في القانون الجنائي السوداني المتعلق بجرائم العنف الجنسي عدا الاغتصاب ضمن الأفعال الفاحشة، إذ إن أقصى أحكام العقوبة لهذه الجرائم هي السجن عامين”.
وزاد حسن “جرائم اغتصاب الأطفال تتطلب ردع الجناة بإيقاع أقصى العقوبات بما يحقق العدالة، وما حدث أخيراً على لسان الأمهات اللاتي اغتصب أطفالهن بواسطة أكثر من شخص وإصدار عقوبة لا تناسب جسامة الجريمة، فيه تساهل من محكمة الموضوع والاستخفاف بالجرم الجسيم المرتكب”.
وأردف “الاشتراك في الجريمة وظروف ارتكابها في حد ذاتها كافية لصدور حكم يصل إلى المؤبد، أتوقع أن تقوم المحاكم الأعلى درجة بإلغاء العقوبة المخففة واستبدالها بأقصى العقوبات”.
ولفت رئيس هيئة أمناء محامي دارفور إلى أنه “يبدو أن الجناة يستخدمون نفوذهم لتعطيل سير العدالة والملاحقة الجنائية التي تكشف عن التأثير الكبير في صدور الأحكام المتعلقة بمثل هذه الجرائم من خلال عقوبة أقصاها ثلاثة أعوام”.
صورة رمزية
طفولة غائبة
في المنحى ذاته، أشار الناشط والمدافع عن حقوق الأطفال في منظمات المجتمع المدني صالح علي، إلى أنه “في سياق حرب السودان وطول أمدها، أصبح الاغتصاب واقعاً مأسوياً وبات أشبه بسلاح لا يقل فتكاً عن أشكال الإبادة أو التدمير في ظل عدم تطبيق القانون في حق مرتكبي جريمة الاغتصاب، خصوصاً التي طاولت الأطفال، هؤلاء يجب الحكم عليهم شنقاً حين إثبات التهمة، وعدم السماح في إيجاد ثغرات تحول دون تنفيذ العقوبة الرادعة”.
وأوضح علي أنه “من المؤسف أن القاصرات اللاتي حملن من الاغتصاب يجدن أنفسهن أمام وضع يصعب عليهن استيعابه أو تفسيره، وذلك عندما تصبح أماً لطفل سيعاني طفلها من ويلات الوصم الاجتماعي في ظروف فرضت عليهما ولا ذنب لهما فيهما”.
وزاد الناشط والمدافع عن حقوق الأطفال في القول إن “النظام الأبوي أسهم في تعميق الكارثة وأنتج مزيداً من ارتكاب جرائم الاغتصاب، في المقابل هناك أمهات كسرن هذا الصمت ورفضن الإغراءات المادية للحد من تفاقم الظاهرة، وهن من يتقدمن الآن في الإبلاغ، وصرخاتهن تتعالى في المحاكم بالقصاص، لكن من المؤسف العدالة لم تنصفهن”.
رفع الوعي
من جانبها، ترى الاختصاصية الاجتماعية والنفسية ثريا إبراهيم أن “جرائم الاغتصاب تفاقمت وأصبحت الأسر في حال خوف ورعب حين ترك الأطفال بمفردهم، إذ هناك حالات كثيرة ومماثلة حدثت، فعلى سبيل المثال كانت هناك قضية شيخ الخلوة في مدينة الفاشر المتهم باغتصاب 10 أطفال والاعتداء على أعضائهم التناسلية، وكذلك قضية الطفلة ذات السبعة أعوام في إحدى المدارس بجنوب العاصمة الخرطوم قبل اندلاع الحرب، وزادت هذه القضايا بصورة مقلقة في ظل الصراع الحالي”.
وأضافت إبراهيم أن “العقوبة التي تصل إلى عامين أو ثلاثة غير رادعة، لذلك بات من الضروري مكافحتها من خلال طرق أخرى متمثلة في رفع الوعي وسط الأسر ومراقبة الأمهات للأطفال والتحدث معهم بكل وضوح وصراحة، وأن تكون هناك ضوابط وشروط قاسية عند تعيين المعلمين بخاصة في المرحلة الابتدائية، فضلاً عن اتخاذ التدابير في مراكز الإيواء، إذ إن الأمر يستدعي تشديد الرقابة للحد من حدوث مثل هذه الجرائم”.
ومضت الاختصاصية الاجتماعية والنفسية قائلة “من الصعب إدانة الجاني بوصفه مريضاً نفسياً، كونه لا يستطيع التحكم في رغباته، وهو ما عرفه علم النفس بالشهوانيين، وهذا لا يعني إيجاد عذر أو تبرئته، بل من المفترض إيقاع أقصى العقوبات على مرتكبيها”.
أطفال مشردون
تعقيدات قانونية
على صعيد متصل، تبدي وزيرة الدولة للتنمية الاجتماعية والموارد البشرية سليمى إسحاق استغرابها من الأحكام غير الرادعة، التي صدرت أخيراً في حق مرتكبي اغتصاب الأطفال، سواء كان جسدياً أم جنسياً، مما يشجع على التمادي في تفشي هذه الظاهرة الخطرة.
وزادت إسحاق “عدم إصدار أحكام رادعة والإفلات من العقاب يؤديان إلى مزيد من الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال من الجنسين، إذ هناك 221 حالة اغتصاب موثقة لأطفال أعمارهم أقل من 15 سنة من بينهم فتيات عمرهن سنة واحدة. وعلى رغم الاهتمام الواسع في رصد هذه الانتهاكات ومشاركة التقارير حولها، بقيت معالجات آثار ما بعد الاعتداء غائبة، ولا تزال أهوال العنف الجنسي الممنهج الذي ترتكبه عناصر ’الدعم السريع‘ وعصابات أفرزها الصراع، في زيادة، وكل يوم نقف على حادثة اغتصاب بسبب استمرار الحرب مع الإفلات من العقاب أو صدور أحكام مخففة”.
وبينت إسحاق أن “هناك حساسية في التعامل مع قضايا الاغتصاب والعنف الجنسي، نظراً إلى موروثات اجتماعية وتعقيدات قانونية وطبية. وعلى رغم الوعي في أوساط الأسر، إلا أن ثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده لا تزال عائقاً، إذ هناك من يكتم هذا الأمر ويجبر نفسه على تحمل النتائج، لذا لا بد من التشديد على ضرورة الإبلاغ فور وقوع أحداث مشابهة”.
ونبهت وزيرة الدولة إلى أن “من الضروري وجود دور خاصة لرعاية أطفال الاغتصاب حتى لا يتحولوا أنفسهم إلى مرتكبي العنف والجريمة، وتصبح قضيتهم معضلة أخلاقية وإنسانية مفتوحة”.