السودان.. بين تشديد القبضة الأمنية ودخول مصر وتركيا على خط الصراع

تقرير - رشا رمزي

يتحرك المشهد السوداني على أكثر من مستوى في وقت واحد، بين محاولات داخلية لإعادة ضبط الأمن في العاصمة، ومعارك ميدانية معقدة في جنوب كردفان، وتصعيد خارجي ينقل الحرب إلى فضاء إقليمي أوسع، مع ما يحمله ذلك من تداعيات سياسية وإنسانية متشابكة.

في الخرطوم، عقد قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان اجتماعاً أمنياً لبحث وضع القوات النظامية وتقييم الإجراءات المتخذة لحماية المناطق الحيوية، في ظل تطورات ميدانية ما تزال تلقي بظلالها على العاصمة. وناقشت اللجنة الأمنية مستوى الانتشار داخل المحليات المختلفة، مع التركيز على تأمين المرافق الخدمية وتنظيم الحركة في المواقع المدنية، إلى جانب إعادة توزيع نقاط التفتيش وحماية المداخل الرئيسية للعاصمة، بما يسمح بسرعة التعامل مع أي طارئ محتمل.

وشدد البرهان خلال الاجتماع على أهمية تبادل المعلومات بين الجيش والشرطة والأجهزة الاستخباراتية، ورفع الجاهزية في المناطق التي شهدت اضطرابات خلال الفترة الماضية، مع التأكيد على اتخاذ إجراءات وقائية تحمي المدنيين وتلتزم بالمعايير القانونية أثناء العمليات. كما تضمنت التوجيهات تكثيف حملات جمع السلاح غير المرخص، ومتابعة الأنشطة المرتبطة بالعنف، وتفعيل فرق المراقبة الميدانية لمراجعة نتائج الخطط الأمنية، بالتوازي مع تعزيز التواصل مع السكان لشرح الإجراءات وضمان تعاونهم، في محاولة لاستعادة الثقة في مؤسسات الدولة وتهيئة الأجواء لعودة الخدمات الأساسية.

وبينما تسعى القيادة العسكرية إلى تثبيت الوضع في العاصمة، يظل جنوب كردفان مسرحاً لمعارك دقيقة ومعلومات متضاربة، خاصة فيما يتعلق بمدينة كادقلي. فمصادر عسكرية نفت دقة الأنباء المتداولة حول فك الحصار عن المدينة، مؤكدة أن القوات المسلحة ما تزال تعمل على استعادة السيطرة على المناطق المحيطة بها. وفي هذا السياق، أوضح القائد في القوة المشتركة بدر الدين يوسف، المتواجد في الخطوط الأمامية، أن الحديث عن دخول الجيش إلى كادقلي لا يعكس الوضع الميداني بدقة، رغم استمرار العمليات واحتمال فك الحصار خلال فترة قريبة وفق تقديره.

وتشير المعطيات الميدانية إلى تقدم للقوات نحو المدينة وإزالة عدد من مواقع تمركز القوات المناوئة، إلا أن خطوط التماس ما تزال تحول دون الوصول المباشر. وقد شهدت مناطق قريبة من الجبال المحيطة إطلاق نار كثيف، ما دفع بعض السكان للاعتقاد بوصول قوات استطلاع إلى مشارف المدينة، قبل أن توضّح المصادر أن هذه الطلائع قادمة من منطقة الكويك، حيث تتمركز وحدات للجيش منذ فترة وتمكنت من صد هجمات متكررة خلال الأشهر الماضية.

قوات الجيش السوداني اثناء سيطرتها على قاعدة للدعم السريع في بورتسودان 2023

في المقابل، تحدثت مصادر أخرى عن تقدم قوات قادمة من الدلنج إلى مناطق السماسم والكرقل والديشول، الواقعة في منتصف الطريق بين الدلنج وكادقلي، مقابل انتشار قوات مناوئة في مناطق كيكا جرو والتقاطع. وتبرز أهمية هذه التحركات في أن الطريق بين الكويك وكادقلي، الممتد لنحو خمسين كيلومتراً، يُعد سالكاً وفق المعطيات الحالية، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات ميدانية متغيرة.

وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى إعادة فتح الطريق المؤدي إلى كادقلي بعد معارك استمرت أكثر من ثلاث ساعات في محيط الكويك، انتهت بانسحاب القوات التي كانت تفرض الطوق على المدينة. وفي 26 يناير، أعلنت القوات المسلحة وصول وحدات تابعة لها إلى مدينة الدلنج بعد تحركها من هبيلا، وهو ما أسهم في فتح الطريق الرابط بين الدلنج وكادقلي مروراً بأبوكرشولة والرهد. ولاحقاً، أفادت مصادر ميدانية بوصول وحدات من الجيش إلى كادقلي مساء الاثنين عقب اشتباكات مماثلة، ما أنهى عزلة استمرت سنوات وأثقلت كاهل المدينة بأزمات غذائية ودوائية خانقة.

ويرى مراقبون أن أي تقدم مستدام نحو كادقلي لا يقتصر أثره على المعادلة العسكرية، بل يمتد إلى تحسين الوضع الإنساني عبر تسهيل وصول الإمدادات وعودة الحركة التجارية، فضلاً عن تمكين المرضى والطلاب من التنقل في منطقة أنهكتها سنوات من الصراع وتدهور الخدمات الأساسية.

غير أن التطورات الداخلية لا يمكن فصلها عن البعد الخارجي المتصاعد للحرب. إذ كشف تحقيق موسع لصحيفة نيويورك تايمز عن انتقال الصراع إلى مستوى إقليمي أكثر تعقيداً، عبر استخدام قواعد خارجية لتنفيذ ضربات جوية داخل السودان. وبحسب التحقيق، انطلقت خلال الأشهر الستة الماضية طائرات مسيّرة تركية متطورة من طراز بيرقدار أقنجي من قاعدة جوية سرية في الصحراء الغربية بمصر، ونفذت ضربات بعيدة المدى استهدفت مقاتلي قوات الدعم السريع وقوافل إمدادها، اعتماداً على صور أقمار صناعية وسجلات طيران ومقاطع مصورة.

القوات المشتركة

ويذهب التقرير إلى أن هذا التطور يجعل مصر طرفاً مباشراً في العمليات العسكرية إلى جانب الجيش السوداني، بعد أن كانت تلعب دوراً دبلوماسياً في الملف، وهو ما أضاف بعداً جديداً لصراع تتداخل فيه أدوار قوى إقليمية ودولية، من بينها الإمارات وتركيا وروسيا وإيران. ونقل التحقيق عن مسؤولين أميركيين وأوروبيين أن سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في أواخر أكتوبر شكّلت نقطة تحول دفعت القاهرة إلى التدخل العسكري المباشر، في وقت لم تصدر فيه القاهرة أو الجيش السوداني ردوداً رسمية على هذه المعلومات، مقابل تصريحات من قوات الدعم السريع تضمنت تهديدات غير مباشرة وإقراراً بمعرفتها بأن الهجمات تُنفذ من قاعدة خارجية.

وتكشف تفاصيل التحقيق أن القاعدة الجوية تقع داخل مشروع شرق العوينات الزراعي، وهو موقع غير معتاد للعمليات العسكرية، حيث يظهر المدرج وسط مساحات شاسعة من الحقول الزراعية. وأظهرت صور الأقمار الصناعية هبوط طائرات شحن تركية في القاعدة منتصف العام الماضي، بالتزامن مع تركيب أنظمة اتصالات عبر الأقمار الصناعية، ما اعتُبر مؤشراً على بدء تشغيل الطائرات المسيّرة من الموقع. وتمتاز طائرات أقنجي بقدرات قتالية متقدمة، يتجاوز مداها أربعة آلاف وخمسمئة ميل، ويمكنها حمل ذخائر تفوق ثلاثة أضعاف ما تحمله مسيّرات بيرقدار تي بي 2، الأمر الذي يتيح تنفيذ ضربات بعيدة داخل الأراضي السودانية.

في المحصلة، يبدو السودان عالقاً بين محاولات داخلية لفرض الاستقرار وإعادة بناء الثقة، ومعارك ميدانية مفتوحة على احتمالات متقلبة، وتصعيد إقليمي ينقل الحرب إلى مستوى تكنولوجي وعسكري أكثر خطورة. وبين هذه المستويات المتداخلة، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في صراع تتجاوز كلفته حدود الجغرافيا السودانية، وتضع البلاد في قلب تنافس إقليمي ودولي محتدم على النفوذ والموارد، وفي مقدمتها الذهب.

Exit mobile version