اليومَ يئنُّ السودانُ كجريحٍ ينزفُ في ليلٍ من نارٍ لا تنطفئْ، تُشعلُها أيدٍ ترفعُ رايةَ التقوى المُزيَّفة، وتُخفي خلفَها أنيابَ سلطةٍ حمراءَ تقطرُ دماً، لا تكلُّ، لا تملُّ، لا ترحمْ.
الحركةُ الإسلاميةُ شبحٌ يمشي على أطرافِ أصابعه فوقَ الرمادِ، لم يعدْ يختبئُ وراءَ الظلالِ، بل يقفُ في وضحِ هذا النهارِ المحترقِ، يُخيِّرُ الناسَ بصوتٍ ممتلئٍ ثقةً ويقيناً:
“يا نكتلكمْ يا نحكمكم”،
“يا تسليمٌ كاملٌ أو تدميرٌ شاملٌ”.
إنَّ هذا الشبحَ الشريرَ يجالسُ البرهانَ في غرفِ بورتسودانَ المُظلمةِ، يقولُ بعدَ أن ضاقَ الخناقُ عليهِ وعلى أتباعهِ:
“تماسكْ ولا تفرِّطْ.. إنها فرصتُنا الأخيرةُ قبلَ أن يطوينا بحرُ النسيانِ العميقْ”.
إنه شبحٌ يمشي إلى اليومِ مكبّاً على وجههِ، سادراً في غيِّهِ، يطأُ الأعناقَ والرقابَ، حالهُ كآلِ البوربونِ تماماً:
لم يتعلمْ شيئاً، ولم ينسَ شيئاً.
بل وفي أيامُ هذهِ الحربِ ذاتها أثبت هذا الشبح:
أنه لا يأبهُ لشيءٍ مهما عظمْ، ولا يهمهُ شيءٌ من هذا الواقعِ المرير، كأنَّ هذا الدمَ الراعفَ الذي يسيلُ في كلِّ أنحاء السودانِ ليسَ دماً.
شبح صارَ أكبرُ همهِ اليومَ أن يجعلَ من أجسادِ الناسِ المتفحمةِ حبراً أسودَ يكتبُ به ملاحمَ عودتهِ إلى القصرِ والمطارِ، وإلى أوكارِ نفوذِ تجَّارهِ والأحبارِ.
المهم فإن من أعظمِ مواقدِ هذا الجحيمِ:
فيلقُ “البراء بن مالك”، وكتائبُ الفرقانِ، والبنيانِ المرصوصِ، فضلاً عن خلايا أمنيةٍ غامضةٍ، وكتائبِ عملٍ خاصٍّ أشدُّ وحشيةً وبربريةً.
كلُّها مخلوقاتٌ مشوَّهةٌ خرجتْ من رحمِ هذا الهوسِ والجنونِ، ثم انفجرتْ كبركانٍ صبيحةَ الخامسَ عشرَ من أبريلِ 2023.
رموزُها: المصباحُ أبو زيد طلحة، حذيفةُ إسطنبول.. وأسماءٌ وأسماءٌ، ما أنزلَ اللهُ بها من سلطانٍ، صارتْ أيقوناتٍ لهذهِ الكوابيسِ المرعبةِ، تقودُ جيوشاً من الظلالِ: خمسةً وثلاثينَ ألفَ شبحٍ أو أكثرْ، يحتلُّون كلَّ شبرٍ على هذهِ الأرضِ الجرداءِ، كجرادٍ أسودَ يلتهمُ أدنى نقطةِ نورٍ، وأقلَّ شعاعٍ ضوءْ.
هم يقاتلونَ في هذه اللحظة من أجلِ مشروعٍ ماتَ في الحقيقةِ، لكنهم يأبونَ أن يُقبرَ أو يُدفنْ.
مشروعٌ يرى في السلامِ خيانةً للوطنِ، وفي الهدنةِ تنازلاً عن الدينِ.
ذلك الدينُ الدمويُّ الذي حملوه وهناً على وهنٍ لثلاثةِ عقودٍ، فأزهقوا تحتَ راياتهِ الكاذبةِ أرواحَ مليونَي جنوبيٍّ، وثلاثمائةِ ألفِ دارفوريٍّ.. وغيرهم وغيرهم.
دينٌ لا تهدي خرائطُه إلا إلى مراكزِ السلطةِ، ومظانِّ الجاهِ، وحيثُ كنوزُ الثروةِ والذهبِ والمالِ.
أما اليوم، فكلما همستْ الرباعيةُ بكلمةِ “هدنة”، أو تقدَّمتْ مفاوضاتٌ في جدةٍ أو المنامةِ أو جنيفٍ أو الرياضِ، سيطرَ على هؤلاءِ هاجسُ “إقصاءِ المتطرفين” كسيفٍ معلَّقٍ فوقَ الرقابِ.
فتعلو أصواتُهم كالرعدِ:
“لا سلامَ يُقصي الإسلامَ.. ولا هدنةَ تجبُّ ما قبلَها”.
ولهذا رفضوا خارطةَ الرباعيةِ برمَّتها، ثم بصقوا عليها، لأنَّ في طيَّاتها حبلاً سيلتفُّ حولَ أعناقهم في النهاية:
حبلُ إعدامٍ لسيطرتهم على قراراتِ الجيشِ، وإعدامٌ لشبكاتهم في الاستخباراتِ والمالِ والسلاحِ، وإعدامٌ لأحلامهم بالعودةِ إلى عرشٍ سلبهم إياه شعبٌ ثارَ في ديسمبر 2018.
ورغمَ ذلك، فإنهم لا زالوا يعبِّئونَ بلا يأس ذاتَ الشعبِ بشعاراتِ “حربِ الكرامة”، تحتَ دثارِ “المقاومةِ الشعبية”، ليحققوا ذات حلمهم القديمَ:
عودةُ “الإنقاذ” التي أسقطها هذا الشعبُ نفسه.
“الإنقاذُ” ذاك النظامُ الذي حكمَ أكثرَ من ثلاثينَ عاماً بالحديدِ والنارِ والكذبِ، ثم تركَ وراءهُ شعباً يكابدُ الجوعَ، يعاني الحرمانَ، يئنُّ تحتَ وطأةِ المرضِ، شعباً أسلمتْه الحركةُ الإسلاميةُ نفسُها في 2023 للحربِ والتشردِ والنزوحِ، وورَّثتهُ خيباتٍ محبطةً، وخياناتٍ مرَّةً كالعلقمِ.
المهم فإن هذه الحركة لا يهمُّها مصرعُ مائةٍ وخمسينَ ألفَ قتيلٍ في قبورٍ فرديةٍ أو جماعيةٍ، ولا أربعةَ عشرَ مليونَ نازحٍ ولاجئٍ يحملونَ وطنهم على ظهورهم كالحقائبِ، ولا أطفالٌ يموتونَ بالمسغبةِ في مخيماتِ اليأسِ كأوراقِ خريفٍ ذابلةٍ، ولا أمهاتٌ يحملنَ أشلاءَ أبنائهنَّ يكابدنَ الوجعَ.
هي حركةٌ لا ترى وراءَ هذا الخرابِ كلِّه إلا سرابَ عرشٍ مضاعٍ، وفي نزيفِ كلِّ هذهِ الدماءِ وقوداً يشعلُ وعوداً قديمةً للترابي وقطب والبنا.
وفي خضمِّ هذهِ الفوضى الضاربةِ أطنابَها في كلِّ مكانٍ لا يتراءى لها، سوى فردوسٍ مفقودٍ ظلَّت تنتظرهُ منذُ سُلبَ منها ذاكَ العرشُ.
وبالطبعِ فإنَّ أذرعَ هذهِ الحركةِ من فيلقِ البراء بن مالكٍ وغيرهِ من الكتائبِ، لا تمثلُ اليوم مجردَ ميليشياتٍ عقائديةٍ، بل تعبِّرُ عن نبضِ الرفضِ الحيِّ لأحلامِ هذا الشعبِ الذي ثارَ من أجلِ الحريةِ والسلامِ والعدالةِ.
وفي الأفقِ البعيدِ يلوحُ الآنَ شبحُ رجلٍ لا يعرفُ الانتظارَ الطويلَ، رجلٌ يرى في القوةِ مدخلاً وحيداً لفرضِ أيِّ سلامٍ على الأرضِ:
يضربُ ضرباتٍ خاطفةً كالصاعقةِ في نيجيريا، يُسقطُ غرورَ طهرانَ في اثنتي عشرةَ يوماً مرعبةً، يحوِّلُ قصفَ صنعاءَ إلى درسٍ ينهي مسلسلَ قرصنةِ الحوثيينَ، ويسحقُ داعشَ في سوريا كأنها حشرةٌ صغيرةٌ تحتَ حذائهِ الثقيلِ.
إنه رجلٌ لا يتفاوضُ مع الظلالِ، بل يُضيءُ عليها بالنارِ، ليخرجَ من تحتِ أوارِها أكثرُ من “أحمد شرع”.