في ظل انعدام الغذاء بمدن عدة بالسودان نتيجة استمرار الحرب تفاقمت الأوضاع بصورة غير مسبوقة بخاصة في مناطق النزاع المسلح، وعلى رغم الكارثة الإنسانية التي يعيشها ملايين السودانيين، أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة اضطراره إلى خفض حصص الغذاء المخصصة للمناطق الأكثر تضرراً في السودان بسبب نقص التمويل اعتباراً من يناير المنصرم.
ورأى متخصصون أن هذا القرار من شأنه أن يزيد مستويات الجوع وسط المجتمعات السودانية التي تشهد تدهوراً خطراً.
سوء التغذية
في السياق قالت المواطنة حواء البشير من مدينة كادوقلي لمنصة (مشاوير) إن “الصراع حول كردفان، بخاصة مدينتي كادوقلي والدلنج، حولها من مدينة فاعلة اقتصادياً إلى مناطق يحاصرها الجوع بسبب توقف الأنشطة الزراعية والرعوية، إلى جانب قيود طرفي الصراع على المساعدات الإنسانية وحركة البضائع والسلع، لا سيما أن المخاوف تتصاعد في وقت تأخر استلام حصص الغذاء المقدمة من المنظمات الدولية التي تجد صعوبة في الوصول إلى المحتاجين الذين يتضورون جوعاً بسبب قلة الغذاء.
وأضافت “الوضع أصبح كارثياً في جنوب كردفان ما أدى إلى نزوحنا بحثاً عن الأمان والانضمام إلى مخيمات النزوح في مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان بعدما كنا معزولين.
وتابعت “اضطررنا إلى تناول قليل من الوجبات حتى أصيب الأطفال والمسنون والحوامل والمرضعات بسوء التغذية والأمراض المصاحبة له، مما جعل الأسر كل يوم تفقد أحد أفرادها.
نازحي السودان
حد الهلاك
على صعيد متصل، قال حسين الباشا المتواجد في منطقة كرنوي بولاية شمال دارفور لمنصة (مشاوير) إن “الجوع أصبح يخيم على العالقين، مما اضطرهم إلى تناول علف الحيوانات الذي سبب الإسهال وانتفاخ البطن للأطفال قبل أن يضطروا إلى النزوح في أوضاع إنسانية سيئة للغاية.
وأردف أن “خروجنا من الفاشر كان بسبب الحفاظ على أرواحنا، والبحث عن المساعدات الإنسانية بعد أن أصبحت المدينة، بل الإقليم كله، إلى جانب انعدام الدواء والكساء ومستلزمات.
وتابع “في تقديري، إذ توقفت حصص المواد الغذائية التي تقدمها المنظمات الدولية للمجتمعات الضعيفة سيصل الوضع إلى حد الهلاك، إذ لا توجد أعمال نمارسها، فضلاً عن أن التكايا لا يمكن بأي حال تغطية هذه الأعداد الكبيرة من النازحين الذين يمثلون أساس الأزمة الإنسانية.
تحذيرات أممية
إلى ذلك، حذر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة (الخميس) من توسع خطر المجاعة إلى مدينتي كرنوي وأم برو في شمال دارفور بغرب السودان، بسبب موجات النزوح الضخمة عقب سقوط مدينة الفاشر عاصمة الولاية في أكتوبر الماضي.
وأكد خبراء التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أنه “تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما كرنوي وأم برو” بالقرب من الحدود مع تشاد.
وأحكمت قوات “الدعم السريع”، التي تخوض حرباً مع الجيش منذ أبريل 2023، سيطرتها على الفاشر نهاية العام الماضي ليصبح إقليم دارفور بالكامل في قبضتها باستثناء مناطق صغيرة تسيطر عليها قوى محلية محايدة.
ومنذ سقوط الفاشر، نزح منها أكثر من 120 ألف شخص بحسب الأمم المتحدة، تَوجه كثر منهم إلى مدن أخرى في شمال دارفور تعاني بالفعل من قلة الموارد وتكدس النازحين.
وأوضح الخبراء في تقريرهم أن موجات النزوح من الفاشر أدت إلى “استنزاف موارد وقدرات المجتمعات المحلية وزيادة انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد”.
وأشار التقرير إلى أن التحذير لا يعني إعلان المجاعة في تلك المناطق “بل يوجّه الانتباه العاجل إلى أزمات الأمن الغذائي والتغذية استناداً إلى أحدث الأدلة المتاحة”.
ويصعب التحقق من البيانات في معظم مناطق غرب السودان بسبب قطع الطرق والاتصالات.
وحذر التقرير من أن سوء التغذية الحاد مستمر في التفاقم في عام 2026 “ومن المتوقع أن يؤدي النزوح المطوّل والصراع وتآكل نظم الرعاية الصحية والماء والغذاء إلى زيادة سوء التغذية الحاد وانعدام الأمن الغذائي”.
مرحلة حرجة
وبحسب مدير قسم التأهب والاستجابة للطوارئ في برنامج الغذاء العالمي روس سميث، فإن الخفض سيصل إلى 70 في المئة في المناطق التي تواجه المجاعة و50 في المئة في المناطق المعرضة لخطر شديد.
محذراً من أن التمويل سيصل إلى مرحلة حرجة للغاية بحلول أبريل عام 2026، في وقت يعاني فيه بعض المناطق ظروفاً معقدة، خصوصاً الفاشر التي تشهد وضعاً مروعاً للغاية مع احتمال أن يكون نحو 70 إلى 100 ألف شخص لا يزالون محاصرين داخلها، ويحتاجون إلى الوصول الإنساني كأولوية عاجلة في ظل انقطاع الاتصالات وغياب المعلومات الدقيقة، فضلاً عن الأوضاع السيئة في مناطق طويلة بشمال دارفور وكادوقلي والدلنج بجنوب كردفان وغيرها.
وأضاف أن قوافل المساعدات التابعة للأمم المتحدة متجهة حالياً إلى منطقة الطويلة لتلبية احتياجات 700 ألف شخص لشهر كامل، حيث يقيم نحو 650 ألف نازح يمثلون أصل الأزمة الإنسانية، فضلاً عن وجود 350 ألفاً يعانون نقصاً حاداً في الغذاء بمناطق بارا شمال كردفان والدلنج وكادوقلي بولاية جنوب كردفان.
نازحي حرب السودان
صعوبات عدة
ووفقاً لدراسة أعدها المجلس النرويجي والمجلس الدنماركي للاجئين عن أوضاع النازحين لمحلية كادوقلي في جنوب كردفان، الذين تم تهجيرهم في مايو عام 2025، فإن 74 في المئة من الأسر تواجه صعوبة في الحصول على الغذاء و96 في المئة لديها درجات استهلاك غذائي منخفض.
وذكرت الدراسة أن كادوقلي مصنفة ضمن المرحلة الرابعة (ضمن التصنيف الأممي للمجاعة)، وتعد منطقة ذات أولوية لمنع المجاعة.