في أحياء العيلفون، أواخر الستينيات وبدايات السبعينيات، لم تكن كرة القدم مجرد لعبة، بل كانت جزءًا من حياة الناس واهتمامهم اليومي. كان التنافس بين قطبي الكرة في العيلفون، الوفاق والمريخ، يخلّف أحداثًا لا تُنسى، معارك حفرت أسماء لاعبيها وأهدافهم في ذاكرة المدينة.
كانت مباريات الفريقين مناسبة استثنائية تمتلئ فيها المدرجات قبل صافرة البداية، وكان كل نادٍ يستعين بأبرز لاعبيه في اللحظات الحاسمة. ومنذ طفولته، ارتبط شيخ إدريس كباشي وجدانيًا بالعيلفون وفريقها الوفاق، فقد رأوا فيه جوهرتهم الثمينة، فكانوا يرسلون له سيارة خاصة لتأتي به من مدينة ود مدني حيث يقيم، ليقود الفريق في تلك المباريات، برفقة شقيقه الكابتن السني، لما يمثّله حضوره من إضافة حاسمة.
في المقابل، كان مريخ العيلفون يُعَزِّز صفوفه باللاعب الأسطورة (المك) قادمًا من نادي الشاطئ بأم درمان، لتخرج مباريات الطرفين عامرة بالإثارة والمرح. وبعد فوز شهير للمريخ قبيل أحد الأعياد، وزّع بعض مشجعيه حبوب البُن على أنصار الوفاق وهم يباركون لهم العيد، في مشهد جسّد روح المنافسة المرحة و”المكاواة”، فخرج يومها الهتاف الشهير: (المك حَرق البُن)، ليبقى لقب (ود البُن) ملازمًا لشيخ إدريس في ذاكرة أهل العيلفون.
في مدني، برزت موهبة شيخ إدريس في زمن كانت فيه كرة القدم محور أحاديث الناس اليومية واهتمامهم المتواصل، فعرفه الناس باسم (شيكو) الفنّان. وكانت ود مدني في ذلك الوقت صُرّة السودان ومخزن الإبداع، ترفد أندية القمة في الخرطوم بثمار موهبتها؛ من سانتو وسانتو، وحمد والديبة، وأولاد كوري، وأولاد حموري، عمر النقي، قلة، عصام غانا، وسامي عز الدين.. والقائمة تطول.
ولد شيخ إدريس بركات كباشي في حي ود أزرق بمدينة ود مدني عام 1952م. وهناك، في ميدان العيّاشة بالسوق الجديد، لاحظ الناس للمرة الأولى موهبته الاستثنائية في ملاعبة الكرة. كان يداعبها كعازف يلامس مفاتيح آلته، يتحرك في الملعب كمن يكتب على صفحة بيضاء فنه الخاص. لم تتأخر موهبته في لفت الأنظار، فسجّله فريق المريخ مدني.
شيخ إدريس
كانت كورة مدني في تلك الفترة تحت سطوة ثلاثيها المرعب: سيد الأتيام الأهلي مدني، ورومان الاتحاد العنيد، ثم النيل، مدرسة الفن والهندسة الكروية. التقطه كشافو النيل لأنهم رأوا فيه ما يشبه النيل، فنًّا وإبداعًا، فارتدى الشعار عن جدارة واستحقاق.
في نادي النيل مدني، صعد (شيكو) بموهبته إلى أعلى المستويات، فأبهر جماهير المدينة، ثم لفت أنظار أندية القمة في الخرطوم، خاصة بعد مباراة شهيرة في كأس السودان هزم فيها نيل مدني مريخ الخرطوم بثلاثية، وكان أداؤه أحد أبرز أسباب هذا الانتصار. يومها تسابق القطبان للفوز به، فظفر به الهلال عام 1971م.
كانت أندية العاصمة آنذاك محطات للكبار فقط، لا مجال لدخولها إلا للمبدعين. وهكذا وجد الفتى القادم من ود مدني نفسه بين عمالقة الكرة يومها: علي قاقارين، سانتو، عز الدين الدحيش، جكسا، فوزي المرضي، عبد الله موسى، زغبير، الضب… بريق وأضواء ساحرة، وجمهور لا يُنسى.
وعلى الرغم من نحافة جسده، كان شيكو يملك رشاقة وأناقة فائقة في الأداء، قدّم برفقة الهلال سحرًا كرويًا راقيًا، نموذجًا للاعب نادر. وعلى ضآلة الجسم، لعب شيكو الحريف بجانب الكابتن سيماوي في مركز قلب الدفاع، وكان خير خلف لشوقي عبد العزيز في قيادة دفاع الهلال، كان يقرأ الملعب بحكمة ويحمِي منطقة الجزاء بذكاء، ويُحبط هجمات الخصوم بهدوء وثقة، مثبتًا نفسه كعنصر أساسي في تشكيلة الهلال خلال فترة تألقه.
هكذا عرفته أم درمان ومشجعو الهلال، لاعبًا يجمع بين الموهبة الفطرية والأخلاق الرفيعة والأدب الجم. جاء من مدني لينير ليالي الخرطوم، وينثر في ملاعبها فنًّا كرويًا هادئًا، بعيدًا عن العنف والاحتكاك، فنًّا أقرب إلى الإمتاع والمتعة البصرية.
شيخ إدريس
في الهلال عاش نجوميةً وتألقًا يشهد له به الخصوم قبل الزملاء، وعلى مدى ستة مواسم متتالية كان شيكو أساسيًا، أحد أعمدة الفريق وصنّاع ألقه الفني وعصره الذهبي. وبجانب عطائه مع الهلال، ظل شيخ إدريس عنصرًا أساسيًا في المنتخب القومي لسنوات، مبرزًا قدراته التي أهّلته للمنتخب الوطني ومكّنته من تمثيل السودان في المحافل الرسمية.
حمل عام 1976م صدمة كبيرة للوسط الرياضي حين أصدر النظام النميري قرارًا بوقف النشاط الرياضي، فتوقفت مسيرة كثير من اللاعبين المبدعين، وكان شيكو في أوج عطائه. غادر إلى السعودية ولعب لموسمين مع نادي التقدّم بالقصيم، قبل أن يعود إلى السودان ليقضي موسمين آخرين في دار الهلال التي أحبها، ثم انتقل إلى سلطنة عُمان، حيث لعب لنادي صور، وقدم هناك صورة مشرقة للاعب السوداني الفنّان، جامعًا بين الإبداع والانضباط والخلق الرفيع.
ولعل أجمل شهادة في حقه ما قاله الفنان محمد حسين كسلا واصفًا شيخ إدريس، فنّانًا يصف فنّانًا: “شيكو كان يمثل مدرسة الفن الهادئ في كرة القدم، يجيد كل أساسيات الكرة ومهاراتها كالسيطرة والتمرير والتسديد، مع القدرة على إمتاع الجمهور بالتابلوهات الفنية الأخّاذة، مع تجنّب الاحتكاك بالخصم قدر الإمكان. من النادر أن تشاهد شيكو في صدام أو عراك، فقد كان ذلك منافيًا لطبيعة لعبه؛ كان قادرًا على المراوغة والتسجيل والتمرير دون تعريض جسده النحيف لأي إصابة. كان وديعًا وهادئَ الطباع أيضًا خارج الملعب، عُرف بسماحة الخلق، وإن كنت معه فستكون دائمًا بحاجة للانتباه لصوته الرزين.
هذه نوعية من اللاعبين حباهم الله بمميزات فردية ومهارات عالية، لكن يبقى “الفن” هو الإطار الذي يشد المشاهد لمتابعتهم. شيكو امتداد لفلتات في تاريخ الكرة تركوا نقشًا في ذاكرة عشاقها؛ هي كرة البهجة والفرح، الكرة المدهشة”.
في كل محطة مرّ بها، من العيلفون إلى مدني، ومن أم درمان إلى السعودية وسلطنة عُمان، ثم مدربًا للمدربين في سنواته الأخيرة، وزّع شيكو بعض فنه الكروي وترك سيرته العطرة المزدانة بالأدب والخلق الرفيع. ويجمع كل من عرفه خارج الملعب أنه كان وديعًا، هادئَ الطباع، متزنًا، رفيع الثقافة، يحمل تواضعًا يسبق شهرته.
شيخ إدريس
بعد صراع مع المرض، رحل شيخ إدريس بركات كباشي الشهير بـ(شيكو) في القاهرة يوم الثلاثاء الماضي، الموافق 3 فبراير 2026م. نعاه زملاؤه ورفاق دربه ونفر كبير من عارفيه، ونعاه نادي الهلال الكبير بتقدير ووفاء، مشيرًا إلى خلقه الرفيع منذ أيامه لاعبًا، وإلى حرصه على التواصل مع الأجيال الرياضية المختلفة حتى رحيله.
الحزن يليق بأمثال شيكو؛ فليس كل ما قدّمه كان على المستطيل الأخضر، فقد كان وراء الأقدام الفنّانة سيرة إنسان خلوق، صاحب روح فنية عالية. كان السند الحقيقي لأهله وعشيرته، “زول واجب وزول حارّه”..
رحل شيخ إدريس بركات بهدوء يشبه هدوءه في الملعب والحياة، تاركًا خلفه سيرة وذكرى لا تغيب. وبرحيله غاب نجم من نجوم كرة القدم السودانية، رجل أجمع الناس على موهبته وخلقه وأثره الإنساني الجميل.