حائط الصد الأخير ضد التفتيت

أشرف عبدالعزيز

في عتمة الحرب التي تأكل الأخضر واليابس في السودان، يبرز بيان لجنة المعلمين السودانيين كشعاع ضوء يذكرنا بأن هناك ما يستحق القتال لأجله بعيداً عن فوهات البنادق، وهو “مستقبل أبنائنا ووحدة وجداننا الوطني”.

 إن تحذير اللجنة من تحويل التعليم إلى أداة من أدوات الصراع هو وضع للأصبع على جرح غائر، فحرمان طلاب مناطق النزاع من الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية ليس مجرد تعثر أكاديمي، بل هو وصفة طبية لتمزيق النسيج الاجتماعي وتعميق الشعور بالإقصاء والتشظي.

لقد أحسنت اللجنة صنعاً بطرحها مقترح “اللجنة الوطنية لتنسيق التعليم”، وهو مقترح يتجاوز كونه حلاً فنياً لإجراء الامتحانات، ليكون بمثابة “مانيفستو” وطني لإنقاذ ما تبقى من وحدة السودان.

إن وجود لجنة محايدة من المختصين تشرف على تعليم موحد في كل شبر من أرض الوطن هو الضمانة الوحيدة لعدم تقسيم السودان تعليمياً ومعرفياً قبل أن يُقسم جغرافياً.

على طرفي النزاع (الجيش والدعم السريع) أن يدركا أن الموافقة على هذا التنسيق ليست تنازلاً عسكرياً، بل هي اختبار حقيقي لمدى انتمائهم لهذا الشعب.

إن تسهيل مهام هذه اللجنة وضمان وصول المعلمين والامتحانات والطلاب في كل القرى والكنابي والمدن هو “بناء جسر للسلام” قد يكون أمتن من أي طاولة مفاوضات سياسية. فالتعليم هو المنطقة الوسطى التي لا يجب أن يُرفع فيها سلاح، وهو القاسم المشترك الذي يجمع السودانيين رغم مرارة الاقتتال.

إننا نضم صوتنا لصوت المعلمين، فالحرب حالة عارضة، لكن ضياع جيل كامل هو كارثة لا يمكن تداركها. إن نجاح هذه الخطوة قد يكون هو “الدفعة” التي تحتاجها عملية السلام، فمن استطاع أن يوحد ورقة الامتحان لطلاب “كادقلي” و”الفاشر” و”الخرطوم” و”بورتسودان”، هو بلا شك قادر على توثيق عرى هذا الوطن من جديد.

ليكن التعليم هو بوابة الخروج من نفق الحرب، ولتكن “الشهادة الثانوية” هذا العام هي شهادة ميلاد جديدة لوحدة السودان التي لا تقبل القسمة على طرفي نزاع.

Exit mobile version