حيلة المثقف السوداني إزاء الحرب (3/2) 

صلاح شعيب

هولاء المثقفون القليلون هم الذين قالوا لا للحرب بمظنة أنها فوقاً عن كونها تقضي على الأخضر واليابس في الأرض البكر، وتفسد علاقات البشر الـمتساكنين، أو المتجاورين، وفي جوهر هذا الإفساد فإن أكثر الضحايا تضرراً من هذه الحرب هم طبقة البوليتاريا.

وهذه الطبقة في العالم، وخصوصاً السودان ظلت هي وقود الحروب، نظراً لأن الطبقتين الوسطى، والأوليغارشية، مستنفعة بعرق جبين البلوتاريا، وبدم تضحياتها بالروح في كل فترات تاريخنا ما بعد الاستقلال تنفرز ذينك الطبقتان في سلم الاجتماع الهانيء نسبياً.

فالحقيقة تقول إن المثقفين وهم أبناء المزارعين والجنود والرعاة في بلادنا حين يصلون للسلطة يتنكرون لهم لدرجة كأنهم ينتقمون من تاريخ فقرهم المديني ليتبدوا بأنهم جزء من مجتمع السادة العظام. ومعظم مثقفينا الكبار يهجرون السكنى مع طبقاتهم الاجتماعية التي تحدروا منها، ويرومون الانفصال عن ماضي الفقر من خلال مجاورة الأثرياء في المنتجعات السكنية الجديدة ليخلقوا أبناء وأحفاداً يمسحون ما يرونه عار الفقر.

في أثناء بحث هذه البلوتاريا النازحة إلى الداخل والخارج بلا هدى في أزمنة القصفين المدفعي والجوي، كان من يطرح نفسه مثقفا طليعيا مساندا للجيش يطالبها بأكثر مما يجب: الاستنفار البلوتاري على أسنة الرماح، بديلاً عن اجتراح ضغط جمعي معنوي لفرض حلول سلمية لحرب وصفها طرف متهم بإشعالها أنها عبثية.

تذكر أن هذه الحرب – وكل حرب دخلت تاريخنا الوطني – لا تحصد أرواح مثقفي الطبقة الوسطى، ولو كانت كذلك لما قامت من أساسها.

هي بالكاد تمنحهم فرصا أوسع من فرص البلوتاريا في التكيف معها داخل البلاد، أو خارجها. ولذلك نفهم أسباب علو صوت المنادين باستمرار الحرب، أولئك الذين يعيشون خارج دائرة التدوين العسكري للآت العسكرية التي تقع على رأس البلوتاريا المساكين المعذبين بغياب الغذاء، والدواء، والأمن.

إذا خلصنا حرب السودان التي ضيعت عاماً دراسياً للتلاميذ والطلاب من جور النظرة الجغرافية، وألايديولوجية، والإثنية، فإن الحاجة ضرورية لإعادة موضعتها ضمن جدل الصراع السوداني – السوداني الذي يعود إلى بواكير فترة الاستقلال، على الأقل حيث نشأت الأوليغارشية الجديدة بعد الاستعمار لتنسج مسارا لإعلاء نفوذها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

فالحرب الحالية هي تناسل لحروب عديدة خاضتها هذه الأوليغارشية بمختلف تنويعاتها لإخضاع كل المجموع السوداني ضمن شروط لعبتها الموصوفة أحياناً بالانتهازية والطفيلية ضمن شروط الحاجة المركزية لمثقفي زور.

فطبيعة الأوليغارشية كما دلت متابعتنا لها تاريخيا أنها تقفل الحوار الوطني عند حدود عدم خروجه من إسار الأقنوم الذي ترسمه لما ينبغي أن يكون عليه جدلنا الجمعي.

فما تقول به من مفاهيم وطنية حول الحرب والسلم إنما هو نتيجة لرؤيتها الصمدية هي فقط. وبالتالي رسمت لنا إطاراً أحاديا للعمل القومي، حيث أسسته بالعنف، وزادت عنه بدم المستضعفين نفسهم.

وما من حائط صد لحماية الطبقة الأوليغارشية الموظفة للدين والترميزات الإثنية في سلمها وحربها ضد الكل المعارض لها أكثر من الكل ذاته، حيث تغدو عملية تغبيش الوعي وسيلة لقتل أية محاولات لمساءلة مواضيع الحرب والسلم بمقاربات تختلف في جوهرها عن نظرة الطبقات السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والإعلامية، المختطفة للقرار الوطني. وهذه الطبقات كما نعلم تكون جماع هذه الجماعة التي تمتص دماء الشعوب السودانية بذات الطريقة التي تمتص بها الحشرات الجيفة.

Exit mobile version