سوق سوداء للدم .. الكبد الفيروسي والملاريا ينهشان ولاية سودانية

الخرطوم - وكالات: مشاوير 

تشهد ولاية الجزيرة بوسط السودان تفشّياً مقلقاً لعدة أمراض وبائية، على رأسها الملاريا والتهاب الكبد الفيروسي، وسط تحذيرات من تحول الوضع الصحي إلى كارثة مفتوحة إذا لم تتخذ السلطات تدابير عاجلة.

فقد كشف تقرير حديث صادر عن مركز عمليات الطوارئ التابع لوزارة الصحة بولاية الجزيرة عن استمرار ارتفاع معدلات الإصابة بالملاريا والكبد الوبائي، فيما تم رصد حالتي اشتباه بالسعال الديكي وحالة إصابة بمرض الحصبة.

كما حذّرت منظمة الصحة العالمية من تفشٍّ حاد لفيروس التهاب الكبد E في ولاية الجزيرة، التي سجّلت 69.5 في المئة من الإصابات، و96 في المئة من الوفيات من بين 3826 حالة و52 وفاة تم الإبلاغ عنها بين يناير 2025 ويناير 2026 في تسع ولايات سودانية.

قاتل صامت للكبد

ويُعدُّ التهاب الكبد الفيروسي أحد أخطر الأمراض التي تصيب الكبد، حيث يُسبّب فيروسُه التهابا في خلايا الكبد، ويُصنّف علميا إلى خمسة أنواع (A, B, C, D, E)، تشترك جميعها في استهداف الكبد رغم اختلاف عائلاتها الفيروسية. وتختلف طرق العدوى لكل نوع، فمنها العدوى الفيروسية المباشرة، ومنها الالتهاب الناتج عن السموم مثل الكحول وبعض الأدوية، وأخرى نتيجة خلل في الجهاز المناعي.

في حين أوضح عدد من الأطباء أن غالبية الإصابات في ولاية الجزيرة فيروسية المنشأ. وأفادوا لـ”العربية.نت/الحدث.نت” أن أعراض المرض قد تختلف باختلاف نوع الفيروس وشدة الإصابة، فقد تكون خفيفة في بعض الحالات، أو شديدة ومهددة للحياة في حالات أخرى.

أما الأسوأ فيكمن في أن كثيرا من المرضى قد لا تظهر عليهم أي أعراض في المراحل المبكرة، ما يجعل الاكتشاف صعبا دون فحوص طبية دقيقة. وتتراوح الأعراض بين فقدان الشهية والغثيان وآلام العضلات والمفاصل، بينما قد تمر بعض الحالات دون أي إنذار مسبق لتفاجئ المرضى لاحقًا بمضاعفات خطيرة.

صورة رمزية

سم في الماء والتراب

إلى ذلك، أكدت مصادر صحية ومواطنون تحدثوا لـ”العربية.نت/الحدث.نت”، أن ولاية الجزيرة تواجه أزمة بيئية حادة، إذ يهيئ تلوث المياه بيئة مثالية لتكاثر الفيروسات وانتقالها إلى الإنسان بسهولة عبر الشرب أو الاستخدام اليومي.

فيما تفتقر كثير من الأحياء إلى مرافق الصرف الصحي الأساسية، بينما يُهمل النظافة العامة، ما يزيد من احتمالات التفشي.

ويُعد التلوث البيئي أحد أبرز العوامل التي ساهمت في انتشار التهاب الكبد الفيروسي على نطاق واسع. فالمياه الملوثة وتلوث الهواء لا تهدد الصحة مباشرة فحسب، بل تُضعف الجهاز المناعي، ما يجعل الجسم أكثر عرضة للإصابة بالفيروسات.

كذلك أوضح مواطنون من ولاية الجزيرة أن تراكم النفايات في الأحياء حوّل الولاية إلى بؤرة صحية خطرة، ما ساهم في تفشي الأمراض الوبائية وانتشارها بشكل واسع.

بيئة موبوءة

إلى ذلك، حذّرت الطبيبة أديبة إبراهيم السيد، أخصائية الباطنية والأوبئة وعضو فرعية خصوصي أم درمان باللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان، من أن الوضع الصحي يشهد انهيارا متسارعا وخطيرا مع التفشي الواسع للأمراض الوبائية، وعلى رأسها الملاريا بمختلف أنواعها، إلى جانب استمرار حمى الضنك، في ظل انتشار كثيف للبعوض الناقل للأمراض في ولايات عدة، خاصة الخرطوم والجزيرة. وأرجعت ذلك إلى تدهور البيئة بصورة غير مسبوقة نتيجة تراكم النفايات، وطفح شبكات الصرف الصحي، وامتلاء الأحياء بالبرك والمياه الراكدة.

كما أكدت أديبة لـ”العربية.نت/الحدث.نت” أن الأزمة تفاقمت مع نقص الكوادر الطبية وانعدام الأدوية المنقذة للحياة، لا سيما أدوية الملاريا، إضافة إلى تكدس المرضى في مراكز الإيواء ومعسكرات النزوح، ما أدى – بحسب الرصد الميداني – إلى ارتفاع كبير في أعداد الإصابات والوفيات. كما نبّهت إلى مؤشرات مقلقة لانتشار التهاب الكبد الوبائي بولاية الجزيرة وظهور حالات في الخرطوم، في ظل بيئة وصفتها بأنها “حاضنة مفتوحة للأوبئة”.

صورة رمزية

نداء قبل الانفجار

هذا ودعت إلى تحرك فوري وحاسم يشمل إصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، وإطلاق حملات نظافة شاملة، وتسريع توفير اللقاحات والأدوية، وتفعيل غرف الطوارئ الصحية، مع تنسيق كامل بين وزارة الصحة والمحليات والمنظمات. وشدّدت على أن استمرار التراخي سيقود إلى اتساع رقعة الكارثة الصحية، مؤكدة أن المواجهة تتطلب قرارا عاجلا وجهدا شعبيا منظما لوقف هذا التدهور قبل خروجه عن السيطرة.

سوق سوداء للدم

وفي سياق مواز، شكا مواطنون لـ”العربية.نت/الحدث.نت” من شح أكياس الدم، ومنع نقلها إلا في حدود ضيقة. وأوضح مواطنون أن الدم أصبح يُباع في السوق السوداء بمدينة ود مدني، بسعر يتراوح بين 25 و40 ألف جنيه (الدولار الواحد يساوي 3700 جنيه سوداني تقريبا)، ما يعكس حجم الأزمة الإنسانية المصاحبة للأوبئة.

Exit mobile version