في حضرة الزبير سعيد.. (أسئلة الاحتراق الأخير) ميلادٌ جديد
مشاوير - تقرير: مجدي علي
في جِنان الشعر بعض النصوصِ تتحدّث إليك، وبعضُها تسكنك، وتعيش في داخلك. وديوانُ (أسئلةُ الاحتراقِ الأخيرِ) للزبير سعيد من النوع الثاني.. لا يُقرأ فحسب، بل يُحتضن، ويُستنشَق.. الكلماتُ فيه ليست حروفًا على الورق، بل نبضاتُ قلبٍ تصل إلى قلبك.
الزبير يكتب من عمق التجربة، من لحظةِ الألم والاشتياق والاحتراق، من المسافة التي تفصلنا عن واقعنا وعن أنفسنا. كلُّ سؤالٍ في الديوان هو نافذةٌ صغيرة على عالمه الداخلي، وكلُّ احتراقٍ رحلةُ تطهير، عبورٌ من الظلمة إلى الضوء، ومسيرٌ طويلٌ من الصمت إلى الكلام الذي يلسع القلب قبل العقل.
أمسية التدشين
عاش مقهى (بيت حبوبة) بإمارة عجمان، الأيام الماضية، أمسيةً ثقافيةً مميزة، دُشّن فيها الزبير ديوانه الصادر عن (دار عزة للنشر والتوزيع)، بحضور نخبةٍ من المثقفين والشعراء والفنانين والصحفيين. تخلّلت الأمسية كلماتُ تقديرٍ وإشادةٍ بالديوان، وأضفت الفقراتُ الموسيقية التي قدّمها سيف الجامعة وأبو بكر سيد أحمد بُعدًا آخر للحدث، فامتزج الشعر بالموسيقى في أمسيةٍ فنيةٍ محضورة.
الشاعر أزهري محمد علي أعرب في كلمته خلال الاحتفال عن سعادته بإصدار الديوان، مشيرًا إلى أن نصوصه العشرين تغوص في الجمال والإنسان، تتحرك بين مساحات الألم والأمل، وتستعيد تفاصيل الحب والحنين والذاكرة، بلغة شفيفة وصادقة، تخاطب الإنسان في هشاشته وقوته معًا، ثم أشاد أزهري بدور الزبير في الصحافة الفنية، حيث عُرف بالالتزام واحترام تجارب الآخرين بعيدًا عن الإثارة والشطط. وأضاف أن الديوان يحمل قيمةً جماليةً جديدة للمشهد الإبداعي، وقد جاء في ظروفٍ استثنائية في المهجر، محمّلًا بمعاني الخير والسلام.
ومن جانبه وصف صلاح الفكي، الصحفي بالمكتب الإعلامي لحكومة عجمان، الكتابةَ الشعرية في هذه الظروف بالصعوبة الكبيرة، لكنه أثنى على عزيمة الزبير ومواهبه، مؤكدًا أن ديوانه يعكس كلماتٍ صادقةً وفكرًا إنسانيًا نيرًا استطاع مواجهة كل الظروف. فيما نوّه معتز فيصل، رئيس اللجنة المنظمة للأمسية الثقافية، بأهمية الاحتفاء بالزبير سعيد، مشيدًا بما يحمله ديوانه من كلماتٍ وأفكارٍ جمالية، ومقدّرًا كلَّ من ساهم في إنجاح الأمسية الثقافية.
غلاف الاصدارة
داخل النصوص
الأسئلة التي يطرحها الديوان ليست سهلة: عن معنى الحياة، عن الفقدان، عن الذاكرة، وعن الإنسان الذي يحاول الصمود وسط ضياع العالم. الاحتراق هنا ليس موتًا، بل ولادةٌ جديدة، ضوءٌ يتسلّل من قلب الرماد، وهدوءٌ ينسكب في فراغ الروح.
الزبير يعتني باللغة عنايةً شديدة، فتأتي واضحةً بلا تزييف، صادقةً بلا ضعف. كلُّ قصيدةٍ تبدو وكأنها صلاةٌ مكتومة، تأمّلٌ في الصمت، حوارٌ مع الذات قبل أن يكون خطابًا للنص. هناك حرارةُ الشعور، وهناك الانضباط الداخلي للعبارة، وهناك إحساسٌ بأن كلَّ كلمةٍ جاءت بعد اختبارٍ طويلٍ ومفاضلةٍ بين الصمت والقول، فلا مكان للحشو ولا للزينة اللفظية المجانية، بل حضورٌ مكثّفٌ للمعنى وهو يتشكّل بهدوء داخل النص.
ومن بين نصوص الديوان تبرز قصيدة (وطن مسافر) بوصفها واحدةً من أكثر القصائد اقترابًا من وجدان القارئ، حيث يرسم الشاعر صورةَ وطنٍ مثقلٍ بالتعب، تحمله الأكتاف بينما تضيق الأحلام وتتّسع طرق الرحيل، فتغدو الهجرة خيارًا متاحًا رغم وجع الفراق. وتتوالى في القصيدة مشاهد الذاكرة الموجوعة، وطن السماح الذي أصبح مباحًا، وصوت السلاح الذي يفتح جراح الصباح، بينما تختنق الأصوات وتتوارى الآهات في شوارع امتلأت بالخوف والفتنة، وتبقى الفجيعة واقفةً على أبواب الصبر، تحاصر أحلام الأبرياء وتطارد براءة الأفكار وسط واقعٍ يثقل بالخذلان. ولعلّ هذا ما يؤكد قدرة الزبير سعيد على التقاط لحظة الألم وتحويلها إلى شعرٍ يمزج بين الوجع والأمل، ومهما ابتعدت المسافات فالنار ليست عقابًا بل امتحان، والسلام ليس غيابًا للألم بل تحوّلٌ إلى المعرفة والنور والفهم.
(أسئلة الاحتراق الأخير) سفرٌ أنيق لا يراهن على الزخرف أو الصخب، بل على الصدق، وعلى الأثر الذي يبقى بعد أن يسكت كل صوت، حين يتحوّل الاحتراق إلى ضوء، يمضي ليضع القارئ أمام تجربةٍ إنسانيةٍ متكاملة يتداخل فيها الجمال والوجدان في نصوص نابضة بالحياة.
الزبير.. سبع صنايع، وبخت مقيم
لم يعرف الناس الزبير سعيد شاعرًا فحسب، فهو قبل ذلك صحفيٌّ وفنانٌ متعدّد الاهتمامات. بدأت تجربته في صحيفة (الخرطوم) التي عمل فيها خمسةَ عشر عامًا متواصلة، لم يفارق الصحافة، ومنها انتقل للعمل التلفزيوني مقدّمًا برامج ناجحة منها (الثورة بالنَص)، و(قدم خير)، و(عرق جبين). كما كتب نصوصًا شعرية تغنّى بكلماتها فنانون كبار، أبرزهم الطيب عبد الله، وأبو عركي البخيت، وهاني عابدين، وعصام محمد نور، وسيف الجامعة، كما خاض تجربةً مميّزة في مجال النقد الفني، حيث عُرف بكتاباته التي جمعت بين المعرفة الفنية واللغة الرشيقة، مبتعدًا عن الإثارة أو التجريح، ومفضّلًا تقديم النقد بروحٍ محبّة تسعى لدعم المواهب الحقيقية واحترام تجارب الفنانين.
جانب من الحضور
وبعد..
بهذا الديوان يضع الزبير سعيد على رفوف المكتبات كتابًا يشبه سيرةَ قلبٍ مرّ بالكثير ثم تعلّم كيف يحوّل الوجع إلى كلامٍ قابلٍ للحياة. نصوص تُقرأ ببطء، وتُترك لتعمل داخل القارئ طويلًا، كأنها تهمس له بما كان يخشى قوله لنفسه.. إنها تجربة تستحق الاحتفاء والإنصات، لأن الشعر هنا لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يترك في الروح ضوءًا صغيرًا يبقى بعد انطفاء الضجيج.