في القاهرة، المدينة التي تعرف كيف تصغي للأصوات القادمة من بعيد، دشّنت الفنانة السودانية الأصل والمنشأ، الأسترالية الجنسية والإقامة، ياسمين إبراهيم فيديو كليب أغنيتها الجديدة (نقّارة بلدنا)، التي صاغ كلماتها الشاعر خالد عباس، ودوزن ألحانها محمد الخاتم ليكتمل العمل، بثلاثتهم وسلاستهم وينطلق صوتًا للحياة والذاكرة والحنين.
وخلال حفل نظّمته بمشاركة (فرقة بلاد) إيذانًا بالتدشين، غنّت ياسمين، فارتفع صوت الجمهور معها، كأن الكلمات تعود إلى أصحابها، وكأن الإيقاع يذكّر الجميع بأن الحياة، مهما ضاقت، تظل قادرة على أن تُغنّى.. كان تهليل الحضور شهادةً حية على أن الموسيقى لغة البشر حين تضيق اللغات، وأن موسيقى أهل السودان إيقاع حيّ في وجدانهم أينما رحلوا.
“نقّارة بلدنا
وقمرةٌ تضوّي ساحة
تفرد بالمحنة
للكاتم جناحا”
الفيديو، الذي جرى تصويره قبل أكثر من عام، مرّ بعدة تحدّيات أخّرت إنتاجه، لكنه خرج أخيرًا إلى النور حاملاً روح الأغنية ورسالتها: الحياة اليومية، دفء الناس، وقيم التعاون والمحبّة التي تجعل الأيام ممكنة، كما يتوارث الناس الأغنيات.
الفنانة ياسمين إبراهيم
كلمات خالد عباس جاءت ببساطة وعميقة وتلقائية:
“إية الدنيا يعني..
لو ما عشنا فيها
بالنور والمحبة
وأحلامنا النزيهه
نلقى حبيبه فينا
بتفتّش شبيها
وننده كم نريدك
وترد النديهه”
وفي المقابل، برع الفنان محمد الخاتم في وضع لحنٍ جعل الأغنية مشهدًا حيًّا لساحات الفرح، حيث النقّارة تنادي، والقمر يضيء الساحات، والذاكرة الجمعية تفتح أبوابها لكل من يبحث عن دفء المكان الأول.
بعد التدشين، أصبح الفيديو متاحًا عبر (يوتيوب)، ليشكّل محطّة جديدة في رحلة فنية تعمل من خلالها ياسمين على تقديم الأغنية السودانية بروح حديثة، لتصل إلى جمهور أوسع في الشرق الأوسط وأستراليا وأبعد.
الفنانة ياسمين
تشبه حكاية د.ياسمين إبراهيم رحلة فنانة حملت وطنها معها حين غادرته، ولم تضعه في الذاكرة فقط، بل في صوتها أيضًا، لتعيد تقديم الأغنية السودانية في بلاد بعيدة، حتى صار جمهور عالمي يردّد كلمات سودانية ربما لم يزر أماكنها، لكنه أحبّ روحها.
وُلدت ياسمين في بيت كان الفن فيه خبزًا يوميًا. والدها الراحل إبراهيم محجوب، شاعر وفنان متعدّد المواهب، ووالدتها صاحبة صوتٍ عذبٍ وثقافةٍ واسعة، وجدّها عبد الرحمن، راوي الحكايات وصاحب الحضور النقابي والثقافي، جميعهم نسجوا حول الطفلة عالماً يرى الفن بعضًا مكملًا للحياة، لا زينةً لها.
رغم دراستها الأكاديمية في الطب البيطري، ظل الغناء يسير بجانبها، حتى انضمّت إلى (مجموعة ساورا الغنائية)، وهناك تعلّمت قيمة العمل الجماعي، وفهمت أن الأغنية ليست مجرد أداء، وإنما موقف، ومشروع ثقافي واجتماعي.
ضيق الفرص وصعوبات العمل في ذلك الزمان دفعتها في العام 2005 إلى الهجرة مع أسرتها إلى أستراليا، لتبدأ رحلة جديدة عنوانها استئناف الحلم في مكان آخر.. وفي سيدني، بدأت مشروعها الفني بالتعاون مع موسيقيين سودانيين، ثم أسّست فرقتها الخاصة (فانوس)، الاسم الذي يرمز إلى الضوء في العتمة، المصباح الذي يضيء الطريق حين يبتعد المرء عن وطنه. مع الفرقة، ضمّت موسيقيين أستراليين وأفارقة، وصارت حفلاتها مساحة للتعارف بين الثقافات.
ومع الوقت، لم تعد ياسمين تؤدي الأغنيات فقط، بل اتجهت إلى التلحين والتأليف الموسيقي بعد دراستها الموسيقى في أستراليا، وقدّمت أعمالًا من ألحانها إلى جانب تعاونها مع شعراء وملحنين سودانيين، محاولةً أن تمنح الأغنية السودانية حياةً جديدة في فضاءات مختلفة.
الفنانة ياسمين
ومن هناك أصدرت ياسمين ألبومًا بعنوان (أنا لافي) من إنتاجها الخاص.
ياسمين ترى أن الفن وسيلة للتواصل مع الناس والتعريف بثقافة السودان وتنّوعه، لذلك تحرص دائمًا على حكاية قصص الأغنيات قبل غنائها، حاملة أمنية بسيطة وكبيرة في آنٍ واحد: أن يعود السلام إلى وطنها.
اليوم، بعد سنوات من الغناء والسفر والتجربة، أصبحت ياسمين إبراهيم إحدى أبرز الأصوات السودانية في المهجر، سفيرة غير رسمية للأغنية السودانية، تؤكّد أن الفنان قد يبتعد عن وطنه جسدًا، لكنه يظل يحمله في صوته، وفي كل لحن يرسله إلى العالم، رسالة فحواها إن الموسيقى تستطيع أن تعيدنا دائمًا إلى البيت، حيث النيل، الأمان.. حيث الحكاية الأولى.