عقار .. أن تأتي بالسلام وترفضه!

أشرف عبدالعزيز

شهدت الساحة السياسية السودانية مؤخراً ظهوراً لافتاً ومكثفاً لنائب رئيس المجلس السيادي، مالك عقار، بعد فترة من التواري النسبي منذ تصريحاته السابقة حول الفساد والوالغين فيه بحكومة بورتسودان.

هذا الظهور الأخير لم يكن عادياً، إذ جاء بـ”شكل مختلف” و”خطاب مختلف” جذرياً، كما يصفه السودانيون. فعقار، الذي كان يوماً ما رائداً للسلام وعائداً به إلى أرض الوطن عبر اتفاقية ، بات اليوم يتبنى خطاباً تصعيدياً يرفض فيه بشكل ضمني المسارات السلمية الخارجية.

فقد دعا السودانيين، في لقاء مع “تلفزيون السودان”، إلى عدم التعويل على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الأزمة، معتبراً إياها “انفعالية” وغير مرتبطة بآلية تنفيذية على الأرض.

هذا التحوّل يضع مواقف عقار على محك التساؤل: كيف لرجل جاء إلى السلطة عبر السلام أن يرفض الآن أن يعم هذا السلام البلاد؟

يتميز خطاب عقار الحالي بحدّة غير مسبوقة، حيث وصف الحرب في السودان بأنها “حرب استيطانية” هدفها تغيير ديمغرافية البلاد ووضعها تحت حكم أجنبي بالوكالة أو الأصالة، متهماً قوات الدعم السريع بالسعي إلى تقسيم السودان إلى دولتين “تُرسم حدودهما بالبندقية”.

ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، بل دعا كل سوداني قادر على حمل السلاح إلى الدفاع عن وحدة البلاد وعن نفسه.

الأكثر دلالة في موقفه الجديد هو تأكيده على عدم وجود طرف يمكن التفاوض معه حالياً، عازياً ذلك إلى وجود “مجموعات عديدة ودول متداخلة في القرار العسكري” داخل الدعم السريع.

ورغم محاولته تأكيد أن الجيش لا يرغب في البقاء في السلطة وأن مهمته تنحصر في إنهاء الحرب وتهيئة عملية سياسية تقود إلى تسليم السلطة عبر الانتخابات، فإن رفضه القاطع لأي مسار تفاوضي حالي يُغلق عملياً الباب أمام إيقاف فوري لإطلاق النار.

ما يثير الاستغراب والدهشة هو هذا الانعطاف الحاد في مسار عقار السياسي. فعقار كان أحد أول المبادرين لطي أزمة الحرب، وشهدت له جولاته الأفريقية في هذا المضمار، كما كان من موقع المنتقد للحرب في تصريحات سابقة رآها قد “عقدت الأزمة السودانية” وتسببت في دمارها.

هذا التناقض جعله اليوم يوجه هجوماً لاذعاً حتى على تحالفات سياسية كانت تدعو للسلام، معلناً بذلك الانضمام الفعلي إلى “جبهة رافضي السلام” داخل حكومة بورتسودان.

السؤال هنا: كيف لرجل دخل إلى المشهد السياسي كموقع على اتفاقية سلام وشارك في الحكومة بموجبها، أن يرفض الآن أن يرفرف السلام في البلاد مرة أخرى بعد حرب ضروس تلتهم الأخضر واليابس؟

تشير هذه التحولات إلى أن القوى التي تشكل السلطة حالياً، ممثلة في حركات مسلحة أتت عبر اتفاقيات سلام (مثل الحركة الشعبية بقيادة عقار وحركات دارفور بقيادة مناوي وجبريل)، ربما تستميت في الدفاع عن استمرار حالة الحرب، مهما كانت التكاليف الباهظة على الشعب السوداني.

يبدو أن هذه القوى، بطبيعة تكوينها التاريخي، ترى في استدامة الصراع أو التهديد به وسيلة لتواصل نفوذها وتأمين بقائها في كراسي السلطة، حيث توفر حالة الحرب غطاءً ضرورياً لتأجيل الاستحقاقات الديمقراطية واستمرار الترتيبات الأمنية والسياسية المؤقتة. هذا السلوك، الذي يمثّل ديدن بعض القوى التي تشاركت في أنظمة متعددة، يشكل على الدوام عقبة كأداء أمام تحقيق السلام الحقيقي ووضع الأشواك في الطرق المؤدية إليه.

إن التحوّل الصارخ في خطاب مالك عقار، من داعية سلام إلى رافض للتفاوض، يبعث رسالة واضحة مفادها أن الصراع في السودان تحوّل في نظر بعض الأطراف من مأساة وطنية إلى أداة لتقوية النفوذ السياسي.

فبينما يُفترض أن تكون مهمة القادة هي إنهاء معاناة شعبهم، يبدو أن استمرارية السلطة والنفوذ باتت أولوية لبعض القوى التي تستخدم ورقة “الدفاع عن الوطن” لشرعنة رفضها للمسار السلمي.

إن الثمن الذي يدفعه الشعب السوداني جراء هذا الموقف، هو الاستمرار في حرب لا تعرف الرحمة، مما يوجب على القوى المدنية والمجتمع الدولي الانتباه إلى أن القوى التي جاءت عبر السلام قد تتحول إلى أكبر معرقل له إذا رأت في استمراره تهديداً لمكتسباتها، وهذا يستدعي مستقبلاً إعادة النظر في هيكلة السلطة لضمان أن يكون السلام أولاً وأخيراً هو مصلحة الجميع.

Exit mobile version