فرز سياسي جديد!!

أشرف عبدالعزيز

 أحدثت الأنباء المتواترة عن لقاء رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان مع قادة تحالف الكتلة الديمقراطية هزة عنيفة في الأوساط السياسية السودانية، حيث فجّر النقاش حول تشكيل المجلس التشريعي خلافات كامنة ووضع التحالفات القائمة أمام اختبار عسير.

هذا الحراك الذي أعقبه اجتماع للمكتب السياسي للكتلة الديمقراطية، برزت فيه وجوه قيادية مثل مني أركو مناوي ومبارك أردول، أثار ردود فعل متباينة كشفت عن تصدعات عميقة ليس فقط داخل التحالف الواحد، بل وفي بنية القوى الداعمة لمؤسسات الدولة في ظل ظروف الحرب الراهنة.

ولم تكد تفاصيل المقترحات الخاصة بالمجلس التشريعي وتكليف لجان للانتخابات تخرج للعلن، حتى بدأت ملامح انقسام حاد داخل الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، إذ سارعت مجموعة نائب رئيس الحزب المكلف عبد الله المحجوب الميرغني إلى التنصل من هذه الخطوات فيما شن الامين السياسي “المكابرابي” هجوماً لاذعاً على حركات دارفور المسلحة، داعياً إياها للتركيز على الميدان العسكري في إقليمها قبل الطموح للمشاركة التشريعية، وهو ما يشير إلى احتمالية تصدع التحالف وانسحاب الاتحادي منه إذا ما استمر الإصرار على تجاوز رؤية القاعدة العريضة للحزب والسجادة الختمية التي يبدو أنها تلتف حول قيادات تاريخية ومحاربين قدامى يتمتعون بنفوذ واسع.

وعلى جبهة أخرى، زاد موقف التيار الإسلامي العريض من تعقيد المشهد، برفضه القاطع لأي صيغة تشريعية تستند إلى الوثيقة الدستورية أو اتفاق جوبا للسلام.

ويرى هذا التيار أن العودة لتلك المرجعيات تمثل ردة سياسية وتراجعاً عن المبادئ التي أفرزتها الحرب ، معتبراً أن الحرب الحالية قد أسقطت ما قبلها من تحالفات سياسية وصيغ دستورية، وأن أي محاولة لإعادة إنتاج عهد “قوى الحرية والتغيير” عبر بوابة التشريعي هي “فوضى سياسية” لن يتم القبول بها.

ولم يقتصر الرفض على القوى الحزبية، بل امتد ليشمل المكونات الاجتماعية والقبلية ذات الثقل، حيث عبرت قيادات قبيلة “الكواهلة” عن استيائها من الطريقة التي تُدار بها ترتيبات المجلس التشريعي.

وأكدت هذه المكونات أن الكتل السياسية المطروحة حالياً لا تلبي طموحاتهم ولا تعبر عن تضحياتهم في سبيل الوطن، مشددين على ضرورة أن يكونوا شركاء أصيلين في القرارات المصيرية بعيداً عن الصيغ الضعيفة التي يتم تداولها في الغرف المغلقة.

تظهر المعطيات الراهنة أن محاولة تشكيل مجلس تشريعي في هذا التوقيت وبالاعتماد على مرجعيات ما قبل الحرب قد تفتح جبهة صراع سياسي داخلي واسعة بين القوى الداعمة للجيش.

إن التباعد في الرؤى بين الحركات المسلحة المتمسكة باتفاق جوبا، وبين القوى الاتحادية والإسلامية والقبلية الرافضة لتلك المرجعيات، سيؤدي حتماً إلى إعادة فرز حاد للمواقف السياسية.

ومن المتوقع في الأيام القادمة أن يواجه تحالف الكتلة الديمقراطية خطر التفكك الفعلي إذا لم يتم التوصل إلى صيغة توافقية تراعي توازنات القوى الجديدة التي أفرزتها الحرب.

فهل يتجه رئيس مجلس السيادة إلى تجميد أو إبطاء وتيرة تشكيل المجلس التشريعي لتفادي تصدع الجبهة الداخلية، أو البحث عن “صيغة وطنية” تتجاوز المحاصصات الحزبية القديمة وتستوعب قوى جديدة أم يصر على المضي في الطرح الحالي الذي سيؤدي إلى بروز تكتلات سياسية جديدة تناهض مخرجات لقاء البرهان والكتلة الديمقراطية، مما قد يربك المشهد السياسي الموازي للعمليات العسكرية.

Exit mobile version