مآسي السودانيين متجددة آخرها تصدع المباني المتأثرة بالحرب

مشاوير - تقرير: إشراقة علي عبد الله 

على رغم اتساع رقعة الدمار الذي خلفه الصراع المسلح بين الجيش وقوات “الدعم السريع” في كثير من المدن السودانية بخاصة العاصمة الخرطوم، عاد آلاف المواطنين إلى منازلهم المتضررة وسط مخاوف من السلامة الإنشائية للمباني ومدى صلاحيتها للسكن من جديد.

وبين أضرار ظاهرة وأخرى خفية لا يمكن الجزم بأن الترميم وحده يكفي وفقاً للمعاينة البصرية لأصحاب المنازل، برزت الحاجة الماسة إلى تقييم هندسي للمنازل المتضررة بسبب تعرضها للتصدعات والتشققات والثقوب الناتجة من القذائف والدانات والرصاص حتى يكون هناك توازن بين اعتبارات السلامة والواقع الاقتصادي للعائدين.

وانطلقت مبادرة وطنية لتقييم المنازل والوقوف على الأضرار غير الظاهرة للمباني المتأثرة جراء العمليات العسكرية بوصفها إطاراً مهنياً منظماً يسعى إلى سد الفجوة بين الواقع الميداني وقرارات العودة والترميم، يقودها متخصصون في مجالات إنشائية عدة، فضلاً عن رفع الوعي بالأخطار التي لا ترى بالعين المجردة ولفت الأنظار إلى ضرورة الفحص الهندسي المسؤول لتفادي الأخطار المحتملة.

أضرار وهواجس

يقول المواطن عبدالسلام مضوي الذي يسكن ضاحية الفتيحاب بمدينة أم درمان “عودتي من مناطق النزوح مرهونه بهواجس ومخاوف من انهيار منزلي في أي وقت، بعد تعرضه إلى أضرار بالغة نتيجة سقوط قذائف ودانات ملتهبة أحدثت حريقاً داخله، إلى جانب إحداث تشققات وثقوب باتت واضحة على الجدران والأسقف”.

وأضاف المتحدث “معظم المواطنين الذين يريدون العودة إلى منازلهم في حيرة من أمرهم لناحية التأكد من السلامة الإنشائية، إذ إن حجم الدمار كبير، بخاصة المباني التي قامت على الأعمدة والترميمات فهي وفق الرؤية البصرية يبدو أنها غير كافية، لكن تبقى المشكلة الأساسية كيفية التعرف إلى أن المنزل لا يزال على متانته أم هناك آثار خفية في ظل غياب الجهات المختصة التي تقوم بإجراءات الفحص، بيد أن الشركات الخاصة كلفتها عالية”.

وتابع مضوي “هناك مشكلة تعوق اتباع الفحص الإنشائي تتمثل في القدرة المالية لمعظم العائدين الذين عادوا بلا مال ولا يستطيعون الاستعانة بمهندس متخصص أو مكتب استشاري هندسي مهني، خصوصاً المنازل المكونة من طوابق عدة “.

ومضى في حديثه “القلق لا يتوقف عند النظر إلى المنزل وغياب الخدمة فحسب، بل يمتد إلى الخوف من تشكيل لجان تتبع للمحليات وإرسال فرق للمعاينة مقابل رسوم من دون تقديم طلبات من أصحابها، وأتوقع أن تكون مرتفعة”.

وأشار المواطن السوداني إلى أنه “من الممكن أن تتحول السلامة إلى إجراءات بيروقراطية، وأن تكون هناك رسوم عالية لإصدار شهادة صلاحية للسكن قد تصل إلى مبالغ باهظة، وتنتهي بغرامات وربما عقوبات بالسجن في حال عدم السداد”.

وأكد في ختام حديثه بأن المواطنين يرغبون في الوقوف على سلامة منازلهم ولا يوجد بينهم من يرفض فكرة الفحص، لذلك يجب أن يكون هناك حل مهني متاح لا يحمل المواطن عبئاً إضافياً وهم في الأساس يعانون أزمة مالية طاحنة.

آثار الحرب

تهديد وتدابير

في السياق، أوضح المهندس المعماري محمد بابكر أن “الحرب لا تزال تهدد سلامة أرواح المواطنين حتى عقب توقفها في الخرطوم بعودة المواطنين إلى منازلهم سواء كانت قديمة أو حديثة جراء تأثرها بالحرائق ودرجات الحرارة، إذ إن المباني المسلحة التي شيدت من الخرسانة والأسمنت والحديد تخضع لاختبارات مقاومة الحريق إذ تقاس كفاءتها بالمدة الزمنية التي تستطيع خلالها تحمل درجات الحرارة المرتفعة قبل ظهور التشوهات أو فقدان الخصائص الميكانيكية، لا سيما أن من أبرز المشكلات المصاحبة للتعرض لدرجات الحرارة تمدد الحديد المسلح، مما يسهم في التصدعات والتشققات، إضافة إلى فقدان الخرسانة مقاومتها نتيجة حدوث تفاعلات كيماوية في مكونات الأسمنت، فضلاً عن فقدان الماء الداخلي للخرسانة بسبب التبخر، وهو ما ينعكس سلباً على تماسكها وقوتها”.

وأردف بابكر “تقييم المنازل قبل السكن فيها مجدداً بات ضرورة قصوى، ويجب أن يتم بموافقة من السلطات في محليات مدن العاصمة الثلاث الخرطوم وبحري وأم درمان مع إصدار تقرير رسمي يوضح الإرشادات التي ينبغي أن يتبعها المواطن قبل الشروع في إعادة الترميم أو الإصلاح، لا سيما أن هذه القرارات تشمل تحديداً المنازل والمحال التجارية والمواقع الحكومية الاستراتيجية، فضلاً عن بعض معالم المدينة التي أصبحت غير معروفة من شدة الدمار الواقع في وسط الخرطوم الذي دارت فيه أعنف المعارك”، وزاد “من المعلوم أن العناصر الأساسية للمبنى تشمل الأعمدة والكمرات (البيم) والأسقف والحوائط الخرسانية وغيرها من العناصر التي تكون الهيكل الحامل للمبنى، إذ إن أي تأثر في هذه المحتويات يمثل خطراً مباشراً على سلامة المنزل وىساكنيه”.

ولفت المهندس المعماري إلى أن “حجم الضرر الظاهر مثل الثقوب بفعل التفجيرات والقذائف يشكل مشكلة كبيرة يجب عدم الاستهانة بها، مما يستدعي التدخل ومراجعته بواسطة متخصصين”.

توخي الحذر

من جهته، أشار المتخصص في المجال الهندسي الشافعي حسن إلى أنه “من المعلوم أن هناك مباني قامت على أساس أعمدة تعرضت للهدم أو الحرق وتتطلب توخي الحذر وعدم الدخول فيها إلا بعد إجراء الفحص، إذ تعد أكثر حساسية دون بقية المنازل الأخرى، وفي حال رصد أضرار جسيمة بها يصنف المبنى على أنه خطر ويجب إجراء احترازات مثل استبدال الأعمدة المتضررة للحيلولة دون وقوع أضرار بالمواطنين بعد عودتهم إلى منازلهم أو مقار عملهم”.

وأوضح حسن أن “الفحص الأولي عادة ما يعتمد على الرؤية البصرية بهدف الوقوف لتحديد ما يحتاج إليه المبنى من صيانة ومعالجات إنشائية أو تصنيفه مبنى لا يمكن إصلاحه بشكل نهائي، وفي هذه الحال يحتاج إلى تدخلات هندسية مناسبة”.

وواصل المتحدث قوله “هناك فرق كبير بين الأضرار الإنشائية والمعمارية، فالأولى تطاول الهيكل الحامل للمبنى مثل الأعمدة والأسقف والقواعد، وأي إصابة بها تعد ضرراً بالغاً وخطراً، أما الثانية (الأضرار المعمارية) فتشمل الدهان والبياض والنقاشة بصورة عامة والأبواب والنوافذ، فإذا تضررت بالكامل يمكن معالجتها ولا تمثل مشكلة على سلامة المبنى”.

واستطرد حسن “المباني التي تعرضت إلى ألسنة النيران والقذائف المتفجرة تتأثر من ناحية مدى مقاومة الخرسانة والحديد، إذ إن الحرائق تضعف الإثنين معاً، مما يستوجب أخذ عينات لإجراء إختبارات المقاومة وتحديد نسبة التراجع، وعلى ضوء النتائج تحدد المعالجات الفنية المطلوبة إذا كانت تدعيماً أو استبدالاً كاملاً”.

وأكد المتخصص في المجال الهندسي بأن الأضرار غير الظاهرة أكثر خطورة وفي الغالب لا يلتفت إليها سكان المنازل، إذ لها القدرة على التسبب في انهيار المبنى، لذلك من الضرورة عدم تجاهل المبنى الذي تعرض للحريق والوقوف على الأخطار المتوقعة وتجاوزها بالإجراءات الفنية والتزام المواصفات الهندسية.

آثار الحرب

أخطار السلامة

من جانبه، أشار عضو مبادرة تقييم المنازل المتضررة من الحرب هاشم بن عوف إلى أن “الحرب تركت أخطاراً على سلامة المباني، وهي لا تقتصر على الدمار الظاهر، وإنما تشمل إصابات خفية لا يلتفت إليها المواطن العادي من أبرزها التشققات التي تؤدي إلى ضعف المبنى، فضلاً عن تأثرها بسبب الاهتزازات والانفجارات والحرارة الناتجة من الحرائق”.

وأضاف بن عوف “المبادرة المختصة بتقييم المنازل المتأثرة بالحرب جاءت في سياق المرحلة الحساسة التي تتعلق بعودة المواطنين إلى منازلهم، وما صاحبها من تساؤلات ملحة حول سلامة المباني المتضررة بشكل كبير”.

ويرى بن عوف أن المبادرة تمثل مساهمة المجتمع المتخصص في مجال الهندسة في كل التخصصات، وتضم كوادر ذوات خبرة مهنية عالية، تهدف في المقام الأول إلى رفع الوعي المجتمعي بأخطار الأضرار الخفية وتقديم شرح علمي وافٍ ومبسط يساعد المواطنين على اتخاذ قرارات آمنة، إلى جانب توفير محتوى تدريبي للمهندسين والفنيين في مجال تقييم الأضرار وتشجيع الأجسام الهندسية والجامعات والمختبرات للانضمام إلى المبادرة، فضلاً عن أنها تسعى أيضاً إلى تعزيز المؤسسات الهندسية الرسمية والمجلس الهندسي والمكاتب الاستشارية ودعمها معرفياً وتوعوياً”.

وزاد المتحدث قوله “الترميم أو الصيانة التجميلية التي تقف عند إعادة طلاء الجدران وسد الثقوب والشروخ من دون معالجة إنشائية خطر مباشر على الأرواح حتى إذا كان المنزل بسيطاً، بخاصة التي تشير إلى وجود ميل أو عدم استقرار أو اهتزازات، وهي بالقطع لا يمكن الإقامة بها إلا بعد الفحص المسؤول، إذ يستدعي الأمر عدم ترك المواطن وحده يتخذ قراراً مصيرياً يتعلق بحياته وأفراد أسرته”.

وتابع بن عوف “في تقديري التحدي كبير في ظل اتساع رقعة المباني المتضررة، ومحدودية الموارد البشرية، لذا فإن المبادرة هدفها بناء شبكة وطنية من المتخصصين مع تحديد الأولويات التي تشمل المباني السكنية والمدارس والمستشفيات والمنشآت العامة، إلى جانب المباني التي تعرضت لإصابة مباشرة والحالات التي نخشى فيها من خطر انهيار أو سقوط مع الأخذ في الاعتبار الواقع الاقتصادي للمواطنين، إذ يوجد كثير من الأسر لا تستطيع تحمل كلف الفحص الهندسي الباهظة، مما يستدعي تشجيع وتفعيل المختبرات الحكومية والجامعية ومعامل وزارة البنىة التحتية لتقديم خدمات اختبار مدعومة في متناول الجميع”.

ونوه عضو مبادرة تقييم المنازل المتضررة بأن “المباني التي لا تزال قائمة خصوصاً في قلب الخرطوم التي تعرضت إلى قصف جوي ومدفعي مكثف ليست آمنة، ومن الممكن أن تكون فقدت قدرتها على التحمل من دون أن تنهار، ويبدو للناظر أن المبنى سليم، بينما الحقيقة أنه في حال انهيار، لذلك الضرورة تستوجب عدم السكن فيها إلا بعد فحصها، إذ إن السلامة لا تتطلب اجتهاداً أو مجازفة”.

Exit mobile version