السودان: تحركات “الدعم السريع” داخل ليبيا وتصعيد البرهان سياسياً وعسكرياً ومعركة المؤسسات الانتقالية

تقرير - رشا رمزي

كشفت صور أقمار صناعية حديثة عن تمركزات واسعة لقوات الدعم السريع السودانية داخل الأراضي الليبية، قرب المثلث الحدودي مع السودان وتشاد، في تطور يعكس اتساع رقعة الصراع وتداخله إقليميًا. وأظهرت اللقطات تجمعات كبيرة لآلاف المقاتلين في مناطق صحراوية، إلى جانب انتشار آليات عسكرية ومعسكرات تدريب مستحدثة، ما يشير إلى استعدادات ميدانية متقدمة تتجاوز حدود الداخل السوداني.

وبحسب تقارير تحليلية لمنصات متخصصة في رصد البيانات المفتوحة، شملت هذه التحركات إنشاء نقاط عبور يُرجّح استخدامها لأغراض الإمداد والتحرك، فضلًا عن نشاط متزايد في محيط مدينة الكفرة جنوب ليبيا. كما رُصدت طائرات شحن من طراز IL-76 في مطار المدينة، بالتوازي مع استعدادات لبناء حظائر جديدة لاستيعاب المزيد من الشحنات، وهو ما يعزز فرضية وجود خطوط دعم لوجستي عابرة للحدود.

في الداخل، جدّد رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، تمسكه بما يُعرف بـ«المقاومة الشعبية»، معتبرًا إياها جزءًا أصيلًا من الحاضنة الداعمة للجيش، ومؤكدًا أنها ستظل قائمة حتى في حال توقفت العمليات العسكرية. وجاءت تصريحات البرهان خلال تقديمه العزاء في استشهاد اللواء ركن معاوية حمد، قائد الفرقة 22 مشاة في بابنوسة، بمنطقة السليم في مدينة دنقلا، حيث أشاد بما وصفه بتضحيات «شهداء معركة الكرامة» دفاعًا عن وحدة البلاد.

وأكد البرهان أن دماء الضباط والجنود الذين سقطوا في المعارك تمثل دافعًا لمواصلة العمليات حتى «تطهير كل شبر من البلاد» من قوات الدعم السريع، على حد تعبيره، مشددًا على التزام الجيش بالوفاء لدماء الشهداء، ومضيّه في استعادة المواقع التي فقدها، بهدف إعادة الاستقرار و«المجد والعزة» للسودان.

وبينما تتواصل المواجهات العسكرية في مناطق واسعة، يتحرك المسار السياسي على وقع السلاح. إذ تجري اتصالات بين الجيش وتحالف «الكتلة الديمقراطية» إلى جانب قوى سياسية أخرى، في إطار مشاورات لتشكيل مجلس تشريعي مؤقت، بعد نحو عام على التعديلات التي أُدخلت على الوثيقة الدستورية لاستكمال مؤسسات الحكم الانتقالي. وفي أواخر يناير الماضي، عقد البرهان اجتماعًا مع قادة التحالف لبحث الخطوات المتعلقة بتأسيس البرلمان المؤقت.

قوات الدعم السريع 

وشكّلت «الكتلة الديمقراطية» لجنة خماسية برئاسة مبارك أردول لإعداد تصور متكامل حول مهام المجلس التشريعي وعدد مقاعده وآليات اختيار أعضائه. وأوضح أردول أن اللجنة فرغت من صياغة رؤيتها النهائية، وأجازتها اللجنة السياسية للتحالف، قبل إحالتها إلى الهيئة القيادية لإبداء الملاحظات تمهيدًا لاعتمادها موقفًا رسميًا، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مشاورات أوسع مع القوى السياسية والمجتمعية للوصول إلى رؤية موحدة تُطرح لاحقًا على القادة العسكريين وأطراف اتفاق جوبا للسلام.

وفي السياق ذاته، قال المتحدث باسم التحالف محمد زكريا إن الوثيقة الدستورية لعام 2019، التي دُمج فيها اتفاق سلام جوبا، ما زالت تشكل الأساس الدستوري الحاكم حتى بعد تعديلات العام الماضي، معتبرًا أن تشكيل المجلس التشريعي يمثل استحقاقًا متجددًا في مسار الانتقال المدني الديمقراطي. وأضاف أن التحالف أعد رؤية تراعي الظروف الوطنية الراهنة وتمنح تمثيلًا واسعًا للقوى السياسية والمجتمعية، مع الحفاظ على نسب تمثيل أطراف اتفاق جوبا وشركاء المرحلة الانتقالية.

ويضم تحالف «الكتلة الديمقراطية» قوى سياسية وفصائل مسلحة، من بينها الحزب الاتحادي الديمقراطي – الأصل بقيادة جناح جعفر الميرغني، وحركات دارفورية أبرزها حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وحركة العدل والمساواة بزعامة جبريل إبراهيم، إلى جانب قوى مدنية أخرى. وتشير مقترحات متداولة إلى توزيع مقاعد المجلس التشريعي بحيث تحصل قوى اتفاق جوبا على 25 في المائة، والعسكريون على 20 في المائة، والقوى السياسية على 40 في المائة، مع تخصيص 15 في المائة للقوى المدنية، وتمثيل ملحوظ للنساء والشباب.

وتنص التعديلات الدستورية التي أُقرت في فبراير الماضي على تشكيل سلطة تشريعية انتقالية تضم 300 عضو، تتمتع بصلاحيات البرلمان كاملة، تشمل الرقابة على الحكومة، وسحب الثقة عند الضرورة، وإجازة الموازنة العامة، والمصادقة على الاتفاقيات، وسن القوانين، وإعلان الحرب أو حالة الطوارئ، والتوصية بإعفاء رئيس الوزراء.

على الصعيد الإقليمي، قال وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم إن تدخل جهات خارجية يؤجج الحرب، مطالبًا الاتحاد الأفريقي بإنهاء تعليق عضوية السودان. ولأول مرة منذ تعليق العضوية عقب انقلاب أكتوبر 2021، خاطب سالم اجتماعًا رسميًا لمجلس السلم والأمن الأفريقي في أديس أبابا، داعيًا إلى دعم مبادرة السودان لوقف الحرب، التي قال إنها فُرضت على الدولة بعد تمرد «مليشيا الدعم السريع».

وأشار الوزير إلى وجود أجندات إقليمية وتدخلات خارجية عبر دعم «المليشيا» بأسلحة متطورة وطائرات مسيّرة واستجلاب مرتزقة، معتبرًا ذلك تهديدًا مباشرًا للسلم والأمن الإقليمي. كما نبه إلى استهداف البنية التحتية والمدنيين، واصفًا الأمر بالتصعيد الخطير، مستشهدًا باستهداف شاحنات الإغاثة التابعة لبرنامج الغذاء العالمي ومركبة مدنية في كردفان، ومطالبًا المجلس باتخاذ موقف حازم تجاه هذه الانتهاكات.

وأكد سالم في ختام حديثه انفتاح حكومة بلاده على جميع المبادرات الداعية لوقف الحرب، بما في ذلك إعلان جدة الصادر في مايو 2023، في وقت يبقى فيه السودان عالقًا بين تمدد ساحات القتال، وتعقيدات الانتقال السياسي، وضغوط إقليمية تهدد بإطالة أمد الصراع وتعميق كلفته الإنسانية.

Exit mobile version