ارتفاع أسعار السلع الغذائية يفاقم الأوضاع الإنسانية للسودانيين
تقرير - مشاوير
لم يعد التضخم في السودان رقماً يتداول ضمن التقارير الاقتصادية، بل واقعاً يومياً يتسلل إلى المطابخ ويعيد تشكيل ما يوضع على الموائد.
ومع الارتفاع المتواصل في الأسعار وتآكل الدخول، تغيرت العادات الغذائية للأسر السودانية، وتراجعت الوجبة المتكاملة لتحل محلها خيارات محدودة تفرضها القدرة على الشراء لا الاحتياج الصحي، فلم يعد الطعام مسألة ذوق أو ثقافة، بل قراراً قاسياً بين الشبع الموقت والصحة المؤجلة، وبين ما يمكن توفيره اليوم وما يضحى به بصمت من أجل البقاء.
في ظل هذا الواقع المتردي تحول الطعام إلى مؤشر طبقي، وبرزت فجوة صحية واجتماعية متنامية، إذ أصبحت النجاة اليومية أولوية على حساب الصحة، وارتبط الأمان الغذائي بالقدرة على الشراء لا بالحق.
وجبة ناقصة
تقول آمنة يوسف ربة أسرة وأم لخمسة أطفال إن “التضخم غير شكل المائدة داخل منزلنا بصورة واضحة، فقبل عامين، كنا نشتري اللحم مرة أو مرتين خلال الأسبوع، والبيض بصورة منتظمة، وكانت الخضراوات حاضرة في غالب الوجبات، لكن اليوم أصبحت هذه الأصناف خارج الحسابات اليومية. فسعر كيلو اللحم وحده يعادل موازنة الطعام لأيام، لذلك لم يعد خياراً مطروحاً إلا في المناسبات النادرة”.
وتابعت آمنة “أصبحت الوجبة تعتمد في الغالب على النشويات والعصيدة (أكلة شعبية) والخبز والأرز، مع القليل من العدس أو الفول إن توافر، فالبروتين الحيواني غاب تماماً تقريباً، وحتى اللبن لم يعد يُشترى إلا بكميات محدودة، حين أقف في السوق، لا أختار ما يحتاج إليه أطفالي، بل ما أستطيع دفع ثمنه فقط”.
وواصلت المرأة السودانية “أشعر بالعجز حين أرى أطفالي يسألون عن أطعمة اعتادوا عليها، أحاول تعويض ذلك بزيادة الكمية لا الجودة، فقط حتى لا يناموا جائعين، بلا شك أعرف أن هذا ليس غذاءً صحياً، لكن الخيارات معدومة”.
واستطردت آمنة حديثها “الأمر لا يتوقف عند الطعام فحسب، بل يمتد إلى طريقة التفكير، فقد أصبحنا نخطط للأكل كما نخطط لأي مصروف طارئ، فأي ارتفاع جديد في الأسعار يعني حذف صنف آخر من القائمة، فالخضراوات نفسها أصبحت تُشترى بالقطعة لا بالكيلو”.
وزادت ربة الأسرة بقولها “هذه حال معظم البيوت حولنا، ولم يعد السؤال، ماذا سنأكل اليوم؟ بل ماذا نستطيع أن نشتري؟ فالتضخم لم يغير عاداتنا الغذائية فحسب، بل فرض علينا نمط عيش يقوم على الاكتفاء الأدنى، والتضحية بالصحة على المدى البعيد من أجل النجاة اليومية”.
أحد الأسواق السودانية
وجبة واحدة
لم يكتف التضخم بإعادة تشكيل مكونات الطعام، بل امتد ليقلص عدد الوجبات نفسها، ففي بيوت كثيرة، لم تعد ثلاث وجبات في اليوم أمراً بديهياً بل ترفاً يصعب تحمله، وتحت ضغط الغلاء طورت الأسر ما يمكن تسميته “اقتصاد الوجبة”، إذ تدار ساعات الجوع والشبع بحسابات دقيقة، ويعاد توزيع الطعام بما يضمن الاستمرار لا الاكتمال الغذائي.
تشير مريم عبدالرحمن، أم لثلاثة أطفال في سن الدراسة، إلى أن “تقليص الوجبات أصبح خياراً لا مفر منه، فقد كنا نأكل ثلاث مرات في اليوم حتى لو كانت الوجبات بسيطة، لكن الآن الوجبة الرئيسة أصبحت واحدة وغالباً تكون في منتصف النهار، أما الإفطار والعشاء فشيء خفيف جداً أو يلغى تماماً”.
وأضافت الأم السودانية “الأطفال يذهبون إلى المدرسة أحياناً دون إفطار حقيقي، إذ يعتمدون على الشاي أو قطعة خبز إن توافرت، أعلم أن هذا يؤثر في تركيزهم وصحتهم، لكن الموازنة لا تسمح بأكثر من ذلك، وحين اضطر للاختيار أفضل أن تكون هناك وجبة واحدة مشبعة بدلاً من ثلاث وجبات ناقصة”.
وأردفت مريم “كبار السن داخل الأسرة هم الأكثر تضرراً، فوالدتي مريضة سكري وتحتاج إلى وجبات منتظمة، لكن انتظام الأكل أصبح صعباً، أحاول تخصيص جزء من الطعام لها وأحياناً أتنازل أنا عن حصتي، هذا يحدث كثيراً، لكنه أصبح طبيعياً في ظل الوضع الحالي”.
وتابعت أم الأطفال قولها “تقليص الوجبات ليس مجرد تغيير في النظام الغذائي، بل في نمط الحياة كله، فمواعيد النوم، والعمل، وحتى المزاج، كلها أصبحت مرتبطة بموعد الوجبة الوحيدة، فالجوع لم يعد حالة طارئة، بل إحساساً دائماً نتعايش معه”.
وترى مريم أن هذا “الواقع يترك أثراً نفسياً عميقاً، فأصعب ما في الأمر هو الإحساس بالعجز. وحين يصبح توفير الطعام اليومي معركة، تفقد الأسرة شعور الأمان، فنحن لا نختار الجوع بل نؤجله وننظمه، حتى نتمكن من الاستمرار يوماً آخر”.
غذاء رخيص
مع تراجع القدرة على شراء الغذاء المتنوع، اتجهت الأسر السودانية إلى بدائل أقل كلفة لكنها أيضاً أقل قيمة غذائية، هذا التحول الصامت في نوعية الطعام يترك أثراً صحياً بعيد المدى، لا يظهر فوراً لكنه يتراكم في الأجساد، وبخاصة لدى الأطفال والنساء.
يقول سامر الطيب وهو طبيب تغذية وصحة عامة، إن “ما يحدث هو انتقال جماعي نحو أنماط غذائية عالية النشويات وفقيرة العناصر الأساس، فمعظم الأسر باتت تعتمد على الخبز والرز والعصيدة والسكر كوسيلة لسد الجوع، هذه الأغذية تعطي شعوراً موقتاً بالشبع، لكنها لا توفر البروتينات والفيتامينات والمعادن الضرورية”.
وأردف الطبيب قوله “في العيادات، نلاحظ زيادة واضحة في حالات فقر الدم ونقص الحديد وضعف المناعة، وبخاصة بين الأطفال والحوامل، فهذه ليست مشكلات فردية بل مؤشرات إلى خلل غذائي واسع مرتبط مباشرة بالوضع الاقتصادي، فالطفل الذي لا يحصل على غذاء متوازن اليوم، سيدفع الثمن لاحقاً في النمو والتركيز والتحصيل الدراسي”.
وأشار سامر إلى أن “النساء يتحملن العبء الأكبر، ففي كثير من البيوت تقدم الأولوية للأطفال، فتتنازل الأمهات عن حصصهن الغذائية، وهذا يؤدي إلى إرهاق مزمن واضطرابات صحية لا تعالج بسبب ضعف الوصول إلى الرعاية الصحية، فالغذاء الرخيص لا يضر فقط بمن يأكله، بل بمن يضطر إلى الاستغناء عنه”.
وواصل الطبيب حديثه “المشكلة أن هذا النمط قد يتحول إلى عادة طويلة الأمد، فحين يعتاد الجسم على غذاء فقير، يصبح من الصعب تصحيح المسار لاحقاً دون تدخلات واسعة، نحن أمام أزمة صحة عامة مؤجلة نتائجها ستظهر حتى لو تحسن الوضع الاقتصادي جزئياً”.
ومضى طبيب التغذية في القول “التضخم لا يغير ما نأكله فحسب، بل يغير صحة المجتمع بالكامل، فتجاهل هذا الأثر يعني القبول بجيل يعاني سوء التغذية المزمن، وهو ثمن باهظ لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بحياة الناس وقدرتهم على المستقبل”.
أحد الأسواق السودانية
فجوة غذائية
من جهته، يوضح الباحث الاقتصادي معتز إبراهيم أن “التضخم أعاد رسم الخريطة الغذائية للمجتمع، فحين ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع من الدخول يصبح الغذاء أول مجال تظهر فيه اللا مساواة، فالأسر ذات الدخل الثابت أو المحدود تضطر إلى خفض الجودة والكمية، بينما تحافظ الفئات القادرة على أنماطها الغذائية دون تغيير يذكر”.
وأضاف الباحث الاقتصادي “هذا الانقسام لا يظهر فقط في نوع الطعام بل في نتائجه، فالأطفال في الأسر المقتدرة يستمرون في الحصول على البروتين والفاكهة ومنتجات الألبان، بينما يتعرض أقرانهم في الأسر الفقيرة لسوء تغذية مزمن، ومع الوقت، تتحول الفجوة الغذائية إلى فجوة صحية وتعليمية، ثم اقتصادية”.
وأوضح معتز أن “أخطر ما في هذا الوضع هو طبيعته التراكمية، فالفقر الغذائي لا ينتج آثاراً فورية فحسب، بل يخلق دورة مغلقة، والطفل الذي ينمو بسوء تغذية تقل فرصه في التعلم والعمل مستقبلاً، مما يعيد إنتاج الفقر ذاته، وبهذا المعنى فإن التضخم لا يضغط على الحاضر فحسب، بل يصوغ مستقبل المجتمع”.
ويرى معتز أن “غياب سياسات الحماية الغذائية الفعالة يجعل السوق هو الحكم الوحيد، فالدعم محدود والمبادرات الأهلية لا تكفي لسد الفجوة، وفي ظل هذه البيئة يتحول الطعام من حق أساس إلى سلعة تحدد موقع الفرد الاجتماعي”.
ولفت الباحث الاقتصادي إلى أن “ما نراه اليوم ليس مجرد أزمة معيشية، بل إعادة تصنيف اجتماعي عبر الغذاء، فإذا استمر هذا المسار سنكون أمام مجتمع منقسم غذائياً وصحياً، إذ تحدد القدرة على الشراء ليس فقط ما نأكله، بل فرصنا في الحياة نفسها”.