الممثلة أمنية فتحي لـ “مشاوير”: لا أبحث عن النجومية .. هدفي أن أكون صوتًا للناس
الحرب كسرتنا، لكنّها كشفت الحقيقة وأنتجت أعمالًا أكثر صدقًا ونضجًا
الدوحة – مشاوير: مجدي علي
تنتمي أمنية فتحي إلى جيلٍ يرى في الفنِّ عمومًا، وفي الدراما والمسرح على وجه الخصوص، رسالةً وواجبًا ومسؤوليةً قبل أن يكونا مجرّد مساحةٍ للظهور أو الترفيه.
فمن بورتسودان، حيث بدأت تجربتها الأولى عبر الإذاعة وخشبة المسرح، إلى الخرطوم حيث اتسعت مشاركاتها وتنوّعت، ظلّ حضورها قائمًا على اختيارٍ واعٍ للأعمال التي تعبّر عن الناس وقضاياهم.
تمثّل أمنية صوتًا فنيًا مختلفًا، يختار أعماله بعناية، ويؤمن بأن الدراما والمسرح وسيلتان لفتح الأسئلة وبناء الوعي والتعبير الصادق عن هموم المجتمع. فهي لا تطمح إلى النجومية بقدر ما تعمل على تحقيق تأثيرٍ عميقٍ وممتدٍّ يبقى في وجدان المشاهد بعد انتهاء العرض، مؤمنةً بأن الفنَّ يحتاجُ الصدقَ أكثرَ من الإمكانيات الكبيرة.
ورغم تقديمها أعمالًا مميّزة، ما يزال الدراما والمسرح يواجهان اختلالًا إعلاميًا واضحًا، إذ تتجه الأضواء دائمًا نحو موضوعات وأشخاص أقلّ جدوى، بينما يُلمَّع من لا يستحقّ، على حساب التجارب الجادّة التي تنفع الناس.
في هذا الحوار، تفتح أمنية فتحي صفحاتٍ من سيرتها وبداياتها، وتتحدّث عن رؤيتها لدور الفن في المجتمع، وعن الدراما والمسرح كمساحة وعيٍ وتأثير، وعن طموحاتها لمستقبل الدراما السودانية في ظل التحدّيات الراهنة..
الميلاد
حدّثينا عن نشأتك وميلادك، وأين قضيتِ طفولتك؟ وكيف أثّرت البيئة التي نشأتِ فيها على شخصيتك وميولك الفنية؟
وُلدتُ في الكدرو بالخرطوم بحري، ونشأتُ هناك، قضيتُ معظم طفولتي فيها، وما زلتُ أحبّها لأنها من المناطق التي تحتفظ بطابعها الريفي. أكثر ما أذكره وأنا طفلة آلة العود المعلّقة في غرفة جدّي، وكان يعزف عليه من وقتٍ لآخر.. كنتُ أحب سماعه يغنّي، وفي موسم القصب كان يصنع نايًا من أعواده ويعزف عليه. كانت تطربني كذلك قصص والدي عن الفنان النور الجيلاني وعن صداقتهما، ويحكي لي قصص بعض أغانيه التي كُتبت في نسوان الحِلّة.
ما التعليم الذي تلقيتِه، وهل كان له دور في توجيهك نحو الفن والدراما؟
أنا درستُ علم النفس، تخصّص رياض الأطفال، لكنني بدأت مشواري في الدراما قبل دخولي الجامعة بعدة سنوات، من خلال تقديم برامج الأطفال في إذاعة البحر الأحمر، بعد انتقالنا من الخرطوم إلى بورتسودان بسبب ظروف عمل الوالد. وكانت بدايتي خلال الإجازة بين الصف الثامن أساس والصف الأول الثانوي.
امنية فتحي
من هم الأشخاص الذين لعبوا دورًا مهمًا في تشجيعك على التمثيل والفن في مراحلك المبكرة؟
البداية كانت اجتهادًا شخصيًا، توفّرت لي مكتبة وأنا في سن صغيرة، كنت أحب القراءة كثيرًا. في أحد أعياد ميلادي أُهديتُ كتاب (الأحاجي السودانية)، فكنت أقرأ القصص وأحكيها لبنات وأولاد عمّاتي مساءً، وأتخيّل الشخصيات وأحاول إعطاء كل شخصية صوتًا وطابعًا خاصًا. كذلك، في إحدى الإجازات، اصطحبتنا والدتي إلى الكشّافة، وكنت في المعسكرات أقدّم فقرة الحكي والتقليد، لأنها كانت الفرصة الوحيدة لتقليد قياداتنا بدون خوف.
بدايات ومسيرة
حدّثينا عن بداياتك الفنية في مدينة بورتسودان، وكيف ساعدتك هذه المدينة في صقل مهاراتك الإبداعية؟
بدأتُ تجربتي الفنّية عبر إذاعة البحر الأحمر من خلال تقديم برنامج الأطفال والفقرة الدرامية فيه، ومنها مسرح العرائس، ثم انضممتُ إلى اتحاد الأدباء والفنانين في بورتسودان، وهناك بدأت خطواتي الفعلية نحو المسرح.
ذكرتِ أن مشاركتك في الدورة التأسيسية لمهرجان (برؤوت) كانت لبنة للأجيال القادمة، كيف كان شعورك حين شاركتِ في هذه التجربة، وما الدروس التي استفدتِها منها؟
مشاركتي في مهرجان (برؤوت) كانت محاولةً لردّ جزء من فضل هذه المدينة عليّ، بورتسودان مدينة عزيزة على قلبي، لأنني أعتقد أن نجاحاتي بدأت من هذا المكان، ففيه تعلّمت الوقوف على خشبة المسرح، وهنا تشكّلت شخصيتي الفنية.
كيف تصفين التحدّيات التي واجهتك في بداية مسيرتك، خاصّة في العمل المسرحي، وكيف تجاوزتيها؟
أكبر التحدّيات بالنسبة لي كانت كيف أخلق لنفسي حضورًا خاصًا. وبدأ ذلك من اختيار النصوص وصولًا إلى العمل المستمر على تطوير نفسي بحيث يكون لي حضور مختلف ومميز، وأعتقد أنني أسير في هذا الطريق، فالفنان الذي لا يعمل على تطوير موهبته وصقلها بالمعارف والتجارب سينطفئ وتتجاوزه المسيرة.
التجربة
ما الدور الذي تلعبينه ضمن مجموعات الأداء المسرحي، وكيف تؤثّر قيادتك وتنسيقك للأدوار على نجاح العمل الجماعي؟
المسرح قائم أساسًا على العمل الجماعي وروح الفريق، وهذا يسهل من مهامي كثيرًا.. أحرص دائمًا على مناقشة قضايا اجتماعية مهمّة قد تفتح أسئلة أو تساهم في حل بعض المشكلات، حتى وإن كان أثرها يظهر لاحقًا.
عدّدي الأعمال المسرحية أو الدرامية التي تعتبرينها نقطة فارقة في مسيرتك؟
كل الأعمال التي شاركتُ فيها أحدثت فرقًا في حياتي، لكن يمكن ذكر أعمال مثل: (ماستابا)، (الرقصة الأخيرة)، (الطيور تتحدّث سرًا)، (العربة 56)، (محاكمة السمكة الكبرى)، (الطبل الأجوف)، (فضاءات للبوح العلني)، (كتمت)، (عذاب سوبا)، (فاطمة السمحة)، (اسمع يا عبد السميع)، (ديالوج الصمت)، (شوك الكداد)، و(خرف).. بعض هذه الأعمال كانت أول العروض الجماهيرية وبعضها حقّق إقبالًا جماهيريًا واسعًا ومدهشًا، ومنها ما جال في عدد من الولايات أو نال جوائز في مهرجانات مختلفة، وبعضها قاد إلى مشاركات دولية.
امنية فتحي
هل هناك نصوص أو شخصيات شعرتِ أنها تحدّت قدراتك الفنية وأخرجتك من منطقة الراحة؟
بالتأكيد.. أكثر الشخصيات التي تُتعبني هي القريبة مني إنسانيًا، وليست البعيدة. الشخصيات التي أشعر أنني أتقاطع معها، خصوصًا الشخصيات المكسورة من الداخل، شخصيّة المرأة الصامتة على قهرها والعاجزة عن التعبير عن رأيها. هذا النوع من الأعمال يخرجني من منطقة الأمان ويجعلني أواجه مشاعري الحقيقية، وهو التحدّي الأكبر الذي يفجّر طاقاتي.
الفن والمجتمع
أنتِ أيضًا منسّقة مجتمعية وصانعة محتوى رقمي، كيف تدمجين بين نشاطك المجتمعي والفني، وما الأثر الذي تلاحظينه على جمهورك؟
أنا لا أفصل بين الاثنين؛ فالفن بالنسبة لي شكلٌ من أشكال العمل المجتمعي. حين أعمل مع النساء أو الشباب أجمع قصصهم، ثم تتحوّل هذه القصص إلى مشاهد ونصوص وعروض مسرحية. أعظم إنجاز لي أن أسمع الجمهور يقول: “أنتِ تتكلمين بلساننا”.. هذه شهادة أعتز بها، هدفي أن أصبح صوتًا للناس، لا أن أكون نجمة.
ما دور الفن والمسرح في توعية المجتمع ومواجهة القضايا الاجتماعية، خصوصًا في ظل الأزمات؟
المسرح تحدّيدًا مرآة خطيرة لأنه يجعل الناس يرون أنفسهم مباشرة. قد لا يغيّر خطاب سياسي شيئًا في الواقع، لكن مشهدًا صادقًا قد يجعل شخصًا يتأثّر أو يبكي، وقد يقوده ليعيد التفكير في حياته. الفن بالنسبة لي وسيلة مقاومة ناعمة تفتح الوعي دون فرض رأي.
كيف ترين تأثير الحرب والصراعات على المشهد الفني في السودان؟ وهل ساهمت هذه الظروف في إنتاج أعمال فنية جيدة؟
الحرب كسرتنا، لكنها كشفت حقيقتنا أيضًا. صحيح أن الإنتاج قلّ، لكن الكتابة أصبحت أكثر صدقًا، والأعمال صارت تخرج مباشرة من الجرح، وأحيانًا يصنع الألم فنًا أكثر عمقًا ونضجًا يتجاوز رفاهية التجميل..
مسيرة الدراما
كيف ترين تطوّر الدراما والمسرح في السودان عبر السنوات الماضية؟
الدراما السودانية مرّت بموجات صعود وهبوط متلاحقة؛ كانت هناك فترات حضور قوي وقدّمت أعمالًا مسرحية ودرامية حيّة ومؤثّرة، ثم جاءت فترات ركود، بالتأكيد كانت بسبب تأثير الظروف الاقتصادية والسياسية التي مرّ بها المجتمع، لكن الروح الإبداعية لم تمت، فالفنان السوداني دائمًا يخلق صوته وإبداعه من لا شيء.
في ظل ظروف السودان اليوم، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الدراما في المجتمع؟
الآن تحدّيدًا يجب أن تؤثّر، لأن الناس متعبة وتحتاج إلى مساحة للحكي والفهم. يمكن للدراما أن تكون وسيلة للشفاء الجمعي ولتفريغ الكبت واستعادة الأمل.
ما التحدّيات الأساسية التي تواجه صناعة الدراما في السودان اليوم؟
ضعف التمويل، وضعف البنية التحتية، والهجرة الفنية، وعدم الاستقرار.. الفنان أصبح اليوم مشغولًا بكيف يعيش قبل أن يفكّر كيف يبدع، وهذا تحدّي أساسي، فالفنون تتطوّر وتزدهر في ظل الاستقرار الحياتي أولًا.
هل من عناصر تميّز الدراما السودانية وتدفعها للأمام؟
نعم.. الصدق، والبساطة، وروح الحكي، فالسودان يملك مخزونًا هائلًا من القصص، وتميزنا أيضًا لهجة جميلة، مليئة بالموسيقى والدفء.
كيف تقيّمين دور الدراما السودانية المنتجة خارج السودان ودور (الميديا) في انتشارها؟
الإنتاج خارج السودان ساعد في الانتشار والاستمرارية، لكن التحدّي هو الحفاظ على روحنا دون تقليد تجارب أخرى. لا بد من الإقرار أن الميديا والانفجار الرقمي قد فتح أبوابًا كبيرة لوصول الفنان مباشرة إلى الجمهور.
المستقبل
ما الرسالة التي تودّين توجيهها للأجيال القادمة من الفنانين؟
رسالتي: لا تنتظروا الظروف المثالية، ابدأوا من أي مكان وطوّروا أنفسكم، الفن يحتاج الصدق أكثر من الإمكانيات الكبيرة. الجمهور أصبح واعيًا، اجعلوا أصواتكم تشبهكم وتعبّر عنكم وعنه.
كيف ترين مستقبل المسرح والدراما في السودان؟
برغم كل شيء، أنا متفائلة. إذا استثمرنا في التدريب وورش العمل ودعم الشباب وربط الفن بالمجتمع، سنشهد نهضة حقيقية.
هل هناك مشاريع مؤجّلة تحلمين بتنفيذها؟
أحلم بمسرح نسوي سوداني حقيقي يحكي قصص النساء من الداخل، وكذلك بإنتاج أعمال رقمية تعرّف العالم بثقافتنا، كما أفكّر في التوجه نحو السينما في المرحلة المقبلة.
آراء ومواقف
ما الذي يحفّزك على الاستمرار رغم التحدّيات؟
ما يحفّزني ويقوّيني إحساسي بأن الفن رسالتي. كثيرًا ما فكّرت في الاستسلام، لكن حين يخبرني أحدهم أن عملي لمسه وأثّر فيه، أعود وأبدأ من جديد.
كيف ترين العلاقة بين حرّية الفنان ومسؤوليته تجاه المجتمع؟
الفنان يجب أن يكون حرًا، لكن واعيًا؛ فالحرّية دون مسؤولية قد تؤذي، والمسؤولية دون حرّية تقتل الإبداع، التوازن هو الحل.
أخيرًا، هل الفن وسيلة للتغيير الاجتماعي والثقافي؟
نعم، الفن ليس ترفيهًا فقط، بل فعل تغيير. إذا خرج المشاهد أكثر وعيًا أو تعاطفًا أو طرح على نفسه سؤالًا جديدًا، فهذا نجاح. رسالتي: نحن نستحق حياة أكثر عدلًا، والفن قادر على تقريبنا منها خطوة خطوة.