كنت أظن أني أعرف يوغندا جيدا، فما بين أعوام 2000 و2015 زرتها حوالي ست أو سبع مرات، غالبا لمؤتمرات أو ورش، تنتهي بجولة صغيرة في كمبالا، ثم زيارة لمنابع النيل في جنجا، وأكل سمك التلابيا الشهي الوارد من بحيرة فكتوريا مباشرة، وهو البلطي عندنا. بلاد خضراء بشكل مدهش، وأمطارها طوال العام وإن كان هناك فصل خريف محدد.
حين جئتها لاجئا في أكتوبر 2023، شاهدت وعرفت يوغندا الأخرى، أقاليمها وقراها، ناسها وحيواتهم المختلفة، بالمعايشة والتعامل، ليس فقط بالقراءة عن بعد.
من البداية يمكن القول ان يوغندا من أفضل البلاد تعاملا مع اللاجئين السودانيين، ففي الأيام الأولى دخلوا بما يملكون من وثائق بغض النظر عن حالتها، وبلا وثائق أيضا. ثم أن حق الحصول على الوثائق الضرورية لحالة اللجوء والإقامة والعمل في غاية السهولة، مع وجود خيارات متعددة لحق الإقامة في المعسكرات أوالبقاء في المدن المختلفة.
تمتلك يوغندا والدول المحيطة بها أجمل طقس في العالم، معتدل طوال العام، بلا شتاء أو صيف حقيقيين، إنما لسعات خفيفة من كل فصل. وقد انعكس ذلك على الشخصية اليوغندية بشكل واضح، الهدوء والبرود والبطء في الحركة، شعارهم أن لا شيء يستحق العجلة أو الانفعال والغضب. تشاهد حادث حركة من النوع الذي تنتفخ في الوجوه من الغضب، في مصر والسودان تحديدا، وتشتعل فيه الكلمات بالشتائم، ويكاد يصل الامر لحد الاشتباك، تبحث عن هذا الأمر هنا فلا تجده، إن كان حادثا بسيطا ينظر أحدهما للأخر نظرة لوم، ثم ينطلق في صمت. وإن كان الحادث جديا فسيقفان في انتظار الشرطة، وكفى الله المؤمنين شر القتال.
الناس هنا طيبون ولطيفون، ولا يتدخلون فيما لا يعنيهم، ولا تسمع أصواتهم في المطاعم والمقاهي، وإن سمعت فاعلم أن هناك سودنيون أو صوماليون في الجوار. في البدء كانوا يندهشون من سحناتنا وأشكالنا عندما نقول أننا من السودان، فغاية معرفتهم بالسودان هم اخوتنا من الجنوب الذين لجأوا ليوغندا خلال الحرب الاهلية.
الوجود السوداني في يوغندا قديم، هناك رجال أعمال وتجار يتركز عملهم في مجال الأدوية والبن واللحوم، ثم مع موجة اللجوء الأخيرة ظهرت الاستثمارات الصغيرة، البقالات والمطاعم السودانية والمخابز والكافيهات ومحلات الجزرة والحلاقين. يمكن القول إننا حققنا اكتفاءا ذاتيا أكمله الوجود الكبير للأطباء السودانيين من كل التخصصات، فقد احتاجت لهم يوغندا وفتحت أمامهم فرص العمل في المستشفيات العامة والخاصة والجامعات، كما التحقت أعداد كبيرة من الطلاب بالمدارس والجامعات اليوغندية.
يكثر اليوغنديون من أكل الخضروات، ولا يميلون للدهون والسكريات ويستبدلون الخبز بالارز والعصيدة بأنواعها بما فيها الموز ّالمتوكي” والبقوليات. يزرعون البن ويصدرونه لكنهم ليسوا من عشاق القهوة، كما أنهم من أكثر الشعوب بعدا عن التدخين، ونادرا ما تجد يوغنديا يدخن.
تعيش يوغندا حالة هادئة من التعايش الديني، هناك نسبة معتبرة من المسلمين في يوغندا خاصة في شمال يوغندا، وتنتشر المساجد في كمبالا في كل مناطقها، وكثيرا ما يعبر المصلون اليوغنديون عن سعادتهم بأن المساجد صارت ممتلئة بالوجود السوداني الكبير. كثير من المساجد تستخدم لغات متعددة في الخطبة، بين العربي والانجليزي واللغات المحلية، خاصة لغة اللوغندا، أكثر اللغات اليوغندية انتشارا. وتعتبر كمبالا عاصمة مجموعة البوغندا، وملكهم الكباكا، ويتمتع باحترام كبير، تعترف به الدولة كنوع من الإدارات الأهلية، لكن ليست له سلطات سياسية أو تنفيذية.
الاهتمام كبير في الشارع اليوغندي بالدوري الأنجليزي، ربما بحكم أن يوغندا كانت مستعمرة بريطانية، وغالبية اليوغنديين يشجعون آرسنال، وهذا من دواعي سروري، وبعضهم مانشستر يونايتد، ولا أثر كبير لفرق الدوري الاسباتي، برشلوتة وريال مدريد وغيرهم.
هذه بلاد جميلة وأهلها طيبون، أدام الله عليهم نعمة الاستقرار والأمان وسهل لهم سبل كسب العيش وفتح امامهم ابواب التطور والنماء.