التحول المدني وتفكيك دولة “الكيزان” في خطاب بولس

عبد الجليل سليمان 

في إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي، لم يتناول مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، الحرب في السودان كصراع عسكري فحسب، بل بوصفها أزمة دولة أُعيد تشكيلها عبر سنوات من الهيمنة الحزبية الإخوانية، وإلى الدور الذي لعبته هذه الشبكات في تأجيج الصراعات وتعطيل الإصلاح.

ويتمظهر هذا النفوذ داخل الإدارة المدنية وقيادة الجيش والأجهزة الأمنية، كما تتشابك مصالحه مع شبكات المال والأعمال اقتصادياً؛ وهو تأثير يعيد توجيه القرار ويحمي امتداداته داخل مؤسسات يفترض أنها قومية، ويستمر في العمل بعيداً عن التفويض الشعبي.

من هنا، لا يقتصر الانتقال المدني الديمقراطي على مجرد اتفاق سياسي، بل هو عملية تهدف إلى اقتلاع بنية احتكار متجذرة داخل مؤسسات الدولة، وبالتالي تحول هذه المؤسسات إلى فضاء عام يتسم بالشفافية والمساءلة، بعيداً عن سيطرة أي تنظيم، وهو شرط أساسي لاستقرار دائم. فبدون هذا الإصلاح العميق، ستظل أي ترتيبات سياسية خاضعة لتوازنات خفية تتحكم في المسار وتعيق تطوره، مهما تغيرت الأسماء والوجوه ظاهرياً.

الدعوة إلى انتخابات تحت إشراف دولي تأتي ضمن هذا الإطار، فالاقتراع ليس إجراءً شكلياً، بل وسيلة لنقل مركز الشرعية من الشبكات المغلقة إلى الإرادة العامة للشعب. حين تُربط السلطة بصوت الناخب ضمن عملية مراقبة وشفافة، تتراجع قيمة النفوذ غير المعلن ويتقدم معيار الكفاءة والقبول المجتمعي.

الرهان الحقيقي يقوم على تفكيك النفوذ الإخواني (الكيزاني) المتغلغل داخل بنية الدولة. وإعادة توزيع القوة على أساس المواطنة دستورياً.

عندها فقط يمكن أن يستقر نظام يستمد شرعيته من الشعب لا من تنظيمات ظلت لسنوات تدير الدولة كغنيمة سياسياً واقتصادياً. أما إذا بقيت هذه البنية على حالها، فسيظل أي اتفاق، سياسياً كان أو عسكرياً، مهدداً بالارتداد إلى نقطة البداية مهما تغيرت العناوين والوجوه شكلياً.

Exit mobile version