من مرايا الصفاء إلى حدائق الخفّة

عبد الجليل سليمان 

العبادة ليست حركةَ جسدٍ تُستوفى، بل يقظةَ روحٍ تتجدّد؛ انتقالًا من ظاهرٍ تعهده الحواس إلى باطنٍ يتخلّق في الخفاء. فإذا تراجع الضجيج، وهدأت مطالب العادة، انكشف في الأعماق صوتٌ أقدم من الرغبة، وأصفى من الحاجة؛ كأن النفس ماءٌ عكّرته الكثرة، فلا يعود إلى شفافيته إلا إذا سكن.

الصوم ليس امتناعًا عابرًا، بل انقلابًا لطيفًا في ترتيب الكيان؛ تجريدًا للفائض، وتحريرًا للجوهر. فيه يتصالح الطين مع النور، فلا يُقصى الجسد ولا يُؤلَّه، بل يُعاد إلى ميزانه. تُهذَّب الشهوة دون أن تُستأصل، ويُرَوَّض الغضب دون أن يُقمَع، فيغدو التخفّف ضربًا من السيادة، لا لونًا من الحرمان.

في الصوم نارٌ رفيقة تسري في الشرايين، تنقّي ولا تحرق، وتُرقّق الحجب حتى يصبح القلب نافذةً يدخل منها الضوء بلا استئذان. فإذا خفّ الحمل، اتّسع الأفق، وإذا صمتت الجوارح، تكلّم السرّ. هناك يتبدّل الإيقاع الداخلي؛ ما كان صخبًا يصير همسًا، وما كان عادةً يصير اختيارًا.

للصوم صورةٌ تُرى، غير أن حقيقته تيارٌ خفيّ يعيد تشكيل الإنسان من الداخل. من أقام صورته نال أثره القريب، ومن ذاق سره تبدّل كيانه؛ تسقط عنه أثقال الألفة، ويستردّ خفّته الأولى، خفّة الكائن حين لا يثقل قلبَه إلا شوقُه إلى النور.

تلك ذروته: أن تنقص منك الزوائد لتفيض منك الحياة، وأن تجوع عمّا يفنى لتشبع بما يبقى، وأن تتخفّف حتى تبلغ امتلاءك الأصفى. في هذا الصفاء، لا يُكتشف معنى الصوم فحسب، بل يُستعاد سرُّ الإنسان كما كان في بدايته: قابلًا للنور، ومهيّأً له، وسائرًا إليه.

Exit mobile version