لا أظن أن هناك شاعر سوداني تعرض للظلم مثل الشاعر الكبير عبد العال السيد، ربما كانت غربته الطويلة سببا في غيابه عن الظهور الإعلامي، لكن رغم هذا البعد فإن حضوره الباهر في الساحة الفنية كان من المفترض أن يجعل الإعلام يسعى له أينما كان.
جاء عبد العال السيد من الشمال للخرطوم، درس بجامعة القاهرة الفرع، وعاصر الشاعر التجاني حاج موسى – طبعا حيصححني ويقول التجاني قدامنا بي كتير- وسرعان ما هاجر بعد التخرج إلى المملكة العربية السعودية ليعمل صحفيا بصحيفة “عكاظ”.
امتدت غربة عبد العال السيد ولا تزال مستمرة، مع حضور قليل للسودان، لا أذكر إلا حضوره قبل سنوات للمشاركة في برنامج “أغاني واغاني” في الحلقة التي كانت مخصصة لاغنياته التي يصعب حصرها.
أول أغنيات عبد العال المعروفة هي اغنية “زهرة السوسن” التي غناها الفنان الراحل عبد الله الحاج، الطالب في معهد الموسيقى والمسرح في ذلك الوقت.
“قلت ليك طِلي ..وحيً لو أمكن، قلتي لي لا لا .. في الربيع أحسن
كانت البداية قوية ومميزة، اختفى عبد العال بعدها لفترة، ثم فاجأنا بأغنيتين خالدتين في ذاكرة الغناء السوداني هما “أبوي إنشاء الله لي تسلم” للفنان كمال ترباس و”افتقدتك” للفنان الهادي الجبل
“افتقدتك ياِصبا عمرى وشبابى، ,,افتقدتك لما زاد الشوق عذابي
افتقدتك في غيابى وأغترابي،,,وافتقدت الأبتسامة…
والعيون الساحرة يوم يسحر كلاما، ياحبيبة عمرى في الدنيا وزحاما”
وهو يحكي إنه لم تكن له علاقة بالفنانين، لكنه بعث بالقصيدتين للتجاني حاج موسى وهو الذي سلمهما لترباس والهادي.
فتحت قصيدة أبوي باب العلاقة مع الفنان كمال ترباس، فامتدت العلاقة لتنتج “حبان قساي نسوا…على قليبي قسوا”
“والريح مشت من غير، ماتشتهي نفسي، واصبحت زى شدرآ، سابو الخريف منسى، عدمان صفق موحود، لا فيهو ضل لا عود، الناس تصابح العيد، وأنا بالحزن موعود”
و..” كلما سألت عليك يقولوا مشغولة”..ثم آيقونة أغنيات ترباس وعبد العال وواحدة من أجمل ما قدم الثنائي “إنت المهم”
“إنت المُهِم والناس جميع ما تهمني، إنت العزيز.. أفرد شراعك ضُمًني، خايف تفوت والسكه بيك ما تلمًني، إنت الوداد، نبض الفؤاد، بستان نضير، وصفا وعبير، وجمال رهيب، ودلال عجيب، ريّح شقايا وجمّني، خايف تفوت والسكة بيك ما تلمًني “
تجلت في الاغنية القدرات التطريبية العالية لكمال ترباس التي تنقل المستمع لعوالم بعيدة، بجانب كلماتها التي تنفذ سريعا لوجدان المستمع.
ذروة سنام أغنيات عبد العال السيد، كما أظن، كانت مع الفنان مصطفى سيد أحمد الذي غنى له أغنيات الغربة والشجن المولع بها كلاهما، الشاعر والمغني.
كانت البداية مع..” من بعد ماعزً المزار، الليل سهى وملت نجومو الأنتظار، والشوق شرب حزن المواويل وانجرح خاطر النهار، وبقيت اعاين في الوجوه، وأسأل عليك وسط الزحام قبال أتوه، يمكن الاقي البشبهك، الليل براح والشوق تعالى بيندهك”
أودع مصطفى سيد أحمد كل طاقة الحزن والشجن الكامنة لديه في هذه الاغنية وأشعل بها ليالي الغربة الطويلة فكانت ملاذ الحزاني والمغلوبين في كل مكان. ثم انتقلا، الشاعر والفنان ليكملا اللوحة بالاغنية التالية
“الدنيا ليل غربة ومطر، وطرب حزين وجًع تقاسيم الوتر، شرب الزمن فرح السنين والباقي هدًاهو السفر، ياروح غناى، الغربة ملًت من شقايا وغربتى، وبقيت براى حاضن أساي، والوِحشة مًلت من أسايا ووحدتي، لاغنوة لا موًال يبرد حسرتي، غير الشجون يامُلهمة، الغُربة مُرًة ومؤلمة”
وغنى الموصلي لعبد العال السيد “وينك إنتي الطال غيابك”، كما غنى له عصام محمد نور وسيف الجامعة وطه سليمان وود الزين
عبد العال غائب عن الوطن بحسده وحاضر بأغنياته، له التحايا من على البعد.