السودان.. مرهون بين هدنة الخارج ومنطق الحسم العسكري
تقرير - رشا رمزي
في لحظة تبدو فيها الحرب السودانية وكأنها تدور في حلقة مفرغة، عادت الدعوات الدولية لوقف إنساني لإطلاق النار إلى الواجهة، لكن الرد الرسمي في الخرطوم جاء حاسماً: المقترحات التي طُرحت من جانب مستشار البيت الأبيض للشؤون الإفريقية والعربية لا تُعد ملزمة، ولا تعني موافقة الحكومة عليها. وهكذا يتجدد المشهد ذاته؛ مبادرات خارجية تصطدم بسقف السيادة، وتصريحات دولية تقابلها لغة عسكرية تؤكد استمرار القتال.
وزارة الخارجية السودانية أوضحت أن أي تصور لإنهاء الحرب يجب أن ينطلق من “المصلحة العليا للدولة”، بما يشمل الأمن الوطني والسيادة ووحدة الأراضي والمؤسسات. هذا الخطاب يعكس تمسكاً واضحاً بمرجعية القرار الوطني، لكنه في الوقت ذاته يضع شروطاً سياسية مسبقة أمام أي تحرك دولي. فالحكومة، وفق بيانها، ترحب بالاستماع إلى الشركاء، لكنها ترفض ما تعتبره تدخلاً أو محاولة لفرض حلول لا تنسجم مع أولوياتها.
في المقابل، دعا مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا مسعد بولس إلى وقف فوري لإطلاق النار لأغراض إنسانية، مستنداً إلى آلية مدعومة من الأمم المتحدة لتسهيل وصول المساعدات. وأكد أن واشنطن تعمل مع شركائها للوصول إلى تسوية دائمة تفضي إلى حكومة مدنية، مع التشديد على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. كما أشار إلى فرض عقوبات على ثلاثة من قادة قوات الدعم السريع، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم جسيمة في الفاشر، بما في ذلك القتل على أساس عرقي والتعذيب والعنف الجنسي.
غير أن الخطاب الأميركي، رغم تركيزه على البعد الإنساني، لا ينفصل عن اعتبارات سياسية أوسع. فالإشارة إلى دعم “انتقال موثوق” نحو حكم مدني تعني أن واشنطن لا تنظر إلى الصراع بوصفه مجرد مواجهة عسكرية، بل أزمة حكم وبنية سلطة. وهنا يتقاطع البعد الإنساني مع مشروع إعادة ترتيب المشهد السياسي، وهو ما يفسر الحذر السوداني الرسمي من أي مبادرة قد تُقرأ باعتبارها مدخلاً لإعادة صياغة موازين القوى.
على الأرض، بدا موقف رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان أكثر صراحة. ففي خطاب بجامعة كرري، أكد استمرار العمليات العسكرية ضد قوات الدعم السريع، مشيراً إلى أن الخيارات المطروحة تنحصر بين مواصلة القتال أو “استسلام الطرف الآخر”. وبينما جدّد عرض العفو على من يلقون السلاح، حملت كلماته رسالة واضحة: لا هدنة سياسية قبل حسم عسكري.
هذا التباين بين دعوة الهدنة ومنطق الحسم يعكس معضلة الحرب السودانية. فالجيش يرى في استمرار العمليات وسيلة لفرض وقائع جديدة، بينما ترى أطراف دولية أن أي تأخير في وقف النار يعني اتساع رقعة الكارثة الإنسانية. وبين الموقفين، يقف المدنيون في مساحة رمادية، حيث تتراكم أزمات النزوح وانهيار الخدمات وتآكل الدولة.
وفي سياق موازٍ، تحركت قوى مدنية معارضة على الساحة الأوروبية. إذ أجرى القيادي في تحالف صمود خالد عمر يوسف مباحثات داخل البرلمان الأوروبي، تناولت دور الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني في تأجيج النزاع، داعياً إلى النظر في تصنيف مجموعات مرتبطة بالنظام السابق ككيانات إرهابية. كما شدد على أن الحل العسكري لن ينهي الأزمة، وأن خارطة طريق الرباعية تمثل المسار الأنسب لتسوية سياسية تستكمل أهداف ثورة ديسمبر.
هنا تتكشف لوحة أكثر تعقيداً: حكومة ترفض الإملاءات، جيش يراهن على الميدان، إدارة أميركية تضغط بالعقوبات والدعوات الإنسانية، وقوى مدنية تسعى لحشد دعم أوروبي لمسار سياسي. كل طرف يتحرك ضمن منطقه الخاص، بينما تتآكل الأرض المشتركة التي يمكن أن تُبنى عليها تسوية.
النتيجة أن السودان يقف عند تقاطع حاد بين السيادة والضغوط الدولية، وبين شرعية السلاح وشرعية السياسة. وإذا كان التاريخ القريب يشير إلى أن الحروب الأهلية نادراً ما تُحسم بالكامل عسكرياً، فإنه يذكّر أيضاً بأن التسويات المفروضة من الخارج لا تعيش طويلاً إن لم تنبع من توازن داخلي حقيقي. وبين هذين الدرسين، يبقى السؤال مفتوحاً حول أي طريق سيسلكه السودان: طريق الاستنزاف الطويل، أم مسار تسوية شاقة لكنها أقل كلفة من استمرار النزيف.