لا تزال آمنة محمود البالغة من العمر 52 سنة في رحلة بحث مضنية عن أدوية قصور الكلى الذي أصيبت به قبل اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” منذ ثلاثة أعوام، إذ كانت تصرف أدويتها من صيدليات الدواء المدعوم بصورة منتظمة من دون إجهاد، لكن اندلاع الحرب على نحو مفاجئ في صباح ذلك اليوم المشؤوم قضى على كل أوجه الحياة، وبدأت معاناتها في الحصول على الرعاية الصحية والعلاجات، ومع انعدام الدواء وسبل الرعاية اللازمة لجأت إلى استخدام الأدوية البلدية وبخاصة الصمغ العربي حتى لا يتفاقم مرضها.
قصة آمنة لم تكن استثنائية بل امتداد لمعاناة آلاف المرضى داخل السودان، الذين تتعرض حياتهم للفناء بسبب النقص الحاد في الأدوية بما فيها المسكنات مثل البنادول والأسبرين، إلى جانب المضادات الحيوية وأدوية ارتفاع ضغط الدم والسكري.
أدوية الحرب
ومع استمرار الحرب المشتعلة حتى اللحظة بين الطرفين تضرر قطاع التصنيع الدوائي، وتعطلت سلاسل الإنتاج التي أسهمت في خسائر تخطت حاجز المليار دولار بسبب الدمار الذي طاول نحو 85 في المئة من مصانع الأدوية داخل ولاية الخرطوم، والتي كانت تنتج 80 صنفاً، إذ تعرض بعضها للتخريب وتوقف إنتاج الآخر نتيجة انعدام الأمن.
وعلى رغم استئناف الإنتاج داخل ستة مصانع تنتج أدوية السكر والضغط والمضادات الحيوية، فإن هناك انخفاضاً في الإمداد الدوائي المحلي والمستورد.
في غضون ذلك أظهر تقرير للمجلس القومي للأدوية والسموم أن اتساع رقعة الصراع في السودان أدت إلى شلل شبه تام في قطاع الصناعات الدوائية، الذي يمثل أحد الأعمدة الحيوية للاكتفاء الذاتي. في حين أفاد الصندوق القومي للإمدادات الطبية بأن النزاع تسبب في انهيار التوزيع الدوائي وتراجع المخزون الاستراتيجي حتى للأدوية الأساس إلى أقل من 20 في المئة من مستواه الطبيعي قبل اندلاع الحرب.
صيدلية سودانية
خسائر فادحة
في السياق، قال عضو غرفة صانعي الأدوية خالد وداعة إن “الخسائر الإنشائية المباشرة في قطاعات الأدوية قدرت بأكثر من 200 مليون دولار، فيما تجاوزت الخسائر الكلية، بما في ذلك تعطيل سلاسل الإنتاج، حاجز المليار دولار”.
وأضاف وداعة “خسائر مصانع الأدوية شملت سرقة كوابل الكهرباء وتدمير أجزاء من خطوط الإنتاج، إضافة إلى هجرة الكوادر الفنية المتخصصة، مما يمثل تحدياً كبيراً لقطاع يعتمد على خبرات دقيقة يصعب تعويضها”.
وتابع “صناعة الدواء تعد من أكثر الصناعات الاستراتيجية حساسية لارتباطها المباشر بالأمن الصحي والاقتصادي، إذ يضم القطاع أكثر من 30 مصنعاً دُمرت بصورة كاملة في العاصمة بمدنها الثلاث، الخرطوم وبحري وأم درمان، وأفرزت أزمة دواء طوال أشهر الحرب”.
وبيَّن أن “قطاع الأدوية قبل اندلاع الحرب أسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد وتوفير أنواع دوائية تعد أساساً وبأسعار مناسبة، دعمت الإمدادات الطبية والتأمين الصحي”.
ومضى المتحدث قائلاً “استُؤنف الإنتاج بعد وقف الحرب في العاصمة الخرطوم داخل نحو ستة مصانع على رغم الضرر الذي لحق بها، وهي تنتج أدوية الضغط والسكري والمضادات الحيوية، مما أسهم في تقليص أزمة الدواء ومعاناة المرضى”.
وتوقع عضو غرفة صانعي الأدوية “دخول نحو 10 مصانع أخرى دائرة الإنتاج بنهاية مارس المقبل بعد اكتمال عمليات الصيانة والتأهيل والمعايير الفنية، مع توقعات بعودة بقية المصانع قبل نهاية العام الحالي في حال تحسن الإمداد الكهربائي والتمويل”.
ركيزة اقتصادية
من جهته أوضح معتز حبيب، أحد العاملين في مجال الدواء، أن “قطاع الصناعات الدوائية يعد ركيزة مهمة كانت توفر الدواء من دون توقف، إذ إن المصانع المحلية تنتج نحو 30 في المئة من حاجة البلاد للدواء، إلى جانب توفير نحو 8 آلاف وظيفة مباشرة، وآلاف الوظائف في النقل والطباعة والتغليف وغيرها، فضلاً عن أنها تعول نحو 50 ألف أسرة، مما يجعلها محركاً رئيساً للنشاط الدوائي والاقتصاد الوطني”.
وأشار حبيب إلى أن “من أكثر التحديات التي تواجه عودة بعض المصانع للعمل عدم استقرار التيار الكهربائي الذي يمثل العقبة الأكبر حالياً أمام استعادة الطاقة التشغيلية الكاملة، إذ تعمل المصانع باستخدام الجازولين والطاقة الشمسية، مما أدى إلى ارتفاع كلفة التشغيل وزيادة الضغط على رؤوس الأموال، وبخاصة بعد تآكل بعضها أثناء الحرب”.
وواصل “هناك ضرورة لتوفير المواد الخام وإعادة تأهيل المصانع على ما كانت عليه قبل النزاع، فضلاً عن إيجاد حلول جذرية لمشكلة الكهرباء والتمويل وحماية مصانع الدواء للخروج من معضلة نقص الدواء الحادة”.
ولفت العامل في مجال الدواء إلى أن “عودة المصانع كافة واستقرار الإنتاج المحلي سيسهم في وفرة دوائية وتعافي القطاع الصحي والمرضى، الذي تفاقمت أوضاعه الصعبة بشح العلاجات”.
صيدلية سودانية
نداءات استغاثة
وفي ظل الحرب، انهار القطاع الصحي وخرجت المستشفيات والمراكز الصحية والصيدليات عن الخدمة، مما أسهم في تدهور الوضع الإنساني الذي وصل إلى مرحلة حرجة، وبات المواطنون وبخاصة المرضى يرسلون نداءات استغاثة للمتطوعين والناشطين في العمل الإنساني لتوفير الأدوية المنقذة لحياتهم، خلال وقت كانت الأمراض والأوبئة مثل الكوليرا وحمى الضنك وأمراض أخرى تحصد الأرواح.
المتطوع في العمل الإنساني أحمد عبدالرحمن قال إن “أزمة الدواء كانت سبباً في أن يفقد كثر من المواطنين حياتهم، وخصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة، إلى جانب الأطفال والمسنين والنساء الحوامل، إذ كنا خلال فترة الحرب العصيبة نتلقى عشرات الطلبات الملحة في جلب الدواء، في حين نجوب العاصمة الخرطوم بدراجات بخارية للعثور عليها تحت الاستهداف والقصف والرصاص، فضلاً عن انعدام الممرات الآمنة. لقد كانت كارثة الدواء كبيرة وفاقت عمل المنظمات والمبادرات التي نشطت لتلبي حاجات المدنيين، وبخاصة العالقين في مناطق القتال”.
وأوضح عبدالرحمن “نضطر أحياناً لجمع التبرعات لشراء الأدوية التي لم تعد متاحة إلا في السوق السوداء من طرق التهريب، وذلك بحسب أولويات المرضى، بينما نواجه بأسعار جنونية في ظل غياب الدولة والرقابة على الدواء”.
وأشار المتطوع في العمل الإنساني إلى أن “من بين المتطوعين عاملين في الحقل الطبي بمن فيهم الصيادلة نستعين بهم في ظل انهيار المنظومة الصحية وخروج المستشفيات والمراكز الصحية والصيدليات من الخدمة”.
بحث شاق
على صعيد متصل، قال الصيدلاني أبو عبيدة عبدالغفار إن “أزمة الدواء لا تزال قائمة وتتصاعد داخل الولايات التي شهدت نزاعاً نشطاً في الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان والنيل الأزرق، إذ تجد شحنات الإمدادات الدوائية صعوبة في الوصول إليها، في ظل نهب وحرق مستودعات الأدوية والصيدليات ونفاد مخزونها، مما جعل المرضى يلجأون إلى حلول بديلة خطرة باعتمادهم على أدوية مهربة منتهية الصلاحية أو انتظار مساعدات المنظمات التي تعد بمثابة شريان الحياة”.
وتابع عبدالغفار “قطاع الدواء اتسعت فجوته بسبب إغلاق أكثر من 2800 صيدلية مسجلة بالعاصمة، وكانت تعمل فقط نحو 50 صيدلية في ظروف أمنية صعبة، فضلاً عن توقف 41 من شركات الأدوية وأكثر من 90 في المئة من المصانع”.
وأشار إلى أنه “قبل الحرب كنا نتلقى الإمدادات الدوائية بصورة مستقرة بما فيها أدوية الفشل الكلوي والسرطان وأمراض القلب بمختلف أنواعها، لكن المؤسف وحتى الوقت الراهن أن الصيدليات خاوية، والمرضى في حال بحث شاق ومتواصل عن العلاجات”.