رئيسة وزراء السنغال السابقة : طرد القوى الأجنبية شرط السلام في السودان
مشاوير - وكالات
أميناتا توريه، رئيسة وزراء السنغال بين عامي 2013 إلى 2014، اشتهرت بلقب المرأة الحديدية لأفريقيا بسبب دورها في مكافحة الفساد، ففي دولتها التي تتمتع باستقرار سياسي نسبي، حاكمت توريه رئيساً وابن رئيس وقاضت حتى زوجها السابق بتهم فساد.
“اندبندنت عربية” أجرت مقابلة مع توريه على هامش “مؤتمر ميونيخ للأمن” لا للحديث عن الشأن المحلي لبلادها، بل عن واحدة من القضايا الملحة التي تمس القارة الأفريقية والمنطقة العربية على حد سواء حالياً وهي حرب السودان، التي تشعر بأنها لم تحظَ بتغطية إعلامية كافية، ولا باهتمام العالم الذي يتفرج على مجازر وجرائم بحق الإنسانية، شملت العنف الجنسي ضد النساء، من دون إجراءات ملموسة لوقف الحرب.
وقف الدعم الخارجي خطوة أولى
تقول أميناتا توريه إن إنهاء حرب السودان يقتضي أولاً وقف الدعم الخارجي بالمال والسلاح الذي جرى توثيقه من مصادر مستقلة، وقالت “ينبغي للجميع أن يرفعوا أيديهم عن السودان، بكل الأنواع والوسائل، يجب أن يُفرض وقف إطلاق نار فوراً، ومن ثم علينا ملاحقة كل من ارتكب هذه المجازر وأعمال العنف”.
وناشدت توريه في حديثها لـ”اندبندنت عربية” المجتمعين الأفريقي والدولي بأسره أن يتدخل سريعاً لوقف هذه المجازر المستمرة التي لا تحظى بالتغطية الكافية، وقالت “عار على الإنسانية جمعاء ما يحدث في السودان عام 2026، الحرب يجب أن تتوقف، وأنا أتحدث باسم كل هؤلاء السكان الذين لا يسمع صوتهم”.
واستنكرت رئيسة الوزراء السابقة ضعف التغطية الإعلامية لحرب السودان، على رغم عواقبها الكارثية وتقارير العنف الجنسي على نطاق واسع لم نشهده من قبل، وقالت “يبدو وكأن قلة من الناس تكترث بحياة السكان الذين لم يختاروا مكابدة صراع عنيف كهذا”، مضيفةً “إنه لأمر مخزٍ أن يظل المجتمع الدولي صامتاً إلى حد كبير عما يجري في السودان، ما نحتاج إليه هو وقف القتل ومعاناة الناس فوراً”.
وتابعت “الخطوة الأولى هي ضمان أن ترفع جميع القوى الأجنبية أيديها عن السودان، أياً كانت، ثم يجب على الاتحاد الأفريقي أن يضع قضية السودان على رأس أولوياته. فهذه أولوية للقارة الأفريقية بأسرها، بل للمجتمع الدولي ككل لأن انتهاكات حقوق الإنسان أينما وقعت على هذا الكوكب، يجب أن تُدان وأن تتوقف”.
قوات الدعم السريع
حياة السودانيين لا تقل أهمية عن الآخرين
انتقدت توريه ازدواجية المعايير قائلة إن “حياة النساء والأطفال في السودان لا تقل قيمة عن أية حياة أخرى في أي مكان من القارة أو في أي جزء من هذا العالم. فالحياة هي الحياة، متساوية في قيمتها. علينا أن نرفع أصواتنا، وأن نضمن بذل الجهد اللازم لوقف هذه المجازر، وأن يُقدّم الجناة إلى العدالة”.
وفي ظل فشل المؤسسات الدولية في حل النزاع، يُنظر إلى الدور الأميركي بوصفه حاسماً، لكن حتى الآن لا تبدو الولايات المتحدة مهتمة بإلقاء كامل ثقلها الدبلوماسي لإنهاء حرب السودان. رداً على سؤال حول المقاربة الأميركية، قالت توريه، “لا أود توجيه حديثي إلى دولة بعينها فما يعنيني أولاً هو تدخل الاتحاد الأفريقي لأن هذه المجازر تجري على أرض أفريقية. وأدعو الأمم المتحدة إلى أن تكون أكثر فاعلية، وأدعو المجتمع الدولي بأسره إلى التحرك. هكذا اعتدنا أن نتصرف في أزمات مماثلة حول العالم”.
وعن خطر تفكك الدولة في الصومال والسودان، والمخاوف من تمددها عبر أفريقيا، قالت رئيسة وزراء السنغال سابقاً إن “أفريقيا قارة متنوعة، وكثير من مناطقها تتقدم. نعم، لدينا أوضاع حساسة جداً، ومن بينها حرب السودان لكن لا ينبغي تعميمها على القارة بأكملها. أنا من السنغال وهي دولة مستقرة، حيث نجري انتخابات منذ عقود، ولدينا تحديات تنموية بطبيعة الحال، لكنها بيئة سلمية. ويمكنني أن أذكر دولاً أخرى أيضاً. أما حرب السودان، فهي حالة خاصة، ونحن نتحدث إلى العالم بأكمله في شأنها، ولا ينبغي النظر إليها على أنها مشكلة أفريقية وحسب، بل مشكلة عالمية”.
واعتبرت توريه ضعف التغطية والتجاهل على الأجندة الدولية لانتهاكات حقوق الإنسان في السودان أمراً مؤلماً ومخزياً، داعية جميع الأطراف الخارجية إلى الانسحاب من تلك المنطقة، وقالت، “على أية دولة منخرطة أن ترفع يدها عن ذلك الجزء من القارة، وطالبت بتحرك الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لإرسال مبعوثين من أجل التوصل سريعاً إلى وقف لإطلاق النار”.
التنافس الدولي على القارة
فيما يشغل الاستغلال الأجنبي لموارد أفريقيا شعوب القارة، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للدول الأفريقية أن تصوغ شراكاتها الخارجية وفق شروطها الخاصة؟ تجيب توريه بأن هذا التحول بدأ بالفعل، قائلة “كثرٌ ما زالوا ينظرون إلى أفريقيا بعيون قديمة وبصور نمطية عفا عليها الزمن، لكن لم يعُد ذلك صحيحاً، فنحن نتقدم، ودعني أذكّر بأن لدينا نحو 300 مليون شخص ينتمون إلى الطبقة الوسطى، مما يعني أننا سوق استهلاكية مهمة، كذلك تحسنت مؤشرات التنمية في معظم بلداننا، وانتشر التعليم في الدول الأفريقية. وعندما يتعلق الأمر بتمثيل النساء، فإن أداءنا يتفوق على كثير من مناطق العالم، ففي السنغال مثلاً، تشكل النساء 43 في المئة من أعضاء البرلمان بفضل قانون المساواة بين الجنسين”.
ولفتت توريه إلى مشاركتها في “مؤتمر ميونيخ للأمن” الأسبوع الماضي قائلة، “شاركت في ندوة حول الجغرافيا السياسية للمياه، وطرحت مثال منظمة استثمار نهر السنغال، وهي منظمة حكومية دولية أُنشئت عام 1972 بين السنغال وموريتانيا وغينيا ومالي لإدارة نهر السنغال بصورة مشتركة، هذا نموذج يمكن أن نقدمه اليوم إلى العالم. لذلك أدعو من يحللون شؤون أفريقيا إلى ارتداء نظارات جديدة، حتى يتعرفوا إلى المسارات الإيجابية الجارية. لنكف عن اختزال القارة في نقاط التوتر فقط، ونحتضنها عالمياً”.
وعن الدور الذي ينبغي أن تؤديه المؤسسات الأفريقية في الخلاف بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة، قالت توريه “علينا أن نعمل على التهدئة والوساطة، فالاتحاد الأفريقي آلية قوية ومؤثرة، والبلدان معاً عضوان فيه. المطلوب نهج وقائي أكثر فاعلية، يقوم على الاستماع إلى الطرفين، والعمل على بلورة اتفاق معقول يراعي مصالحهما. وهذه من القضايا العاجلة التي ينبغي التعامل معها بجدية. وكما ذكرت، فإن نموذج إدارة نهر السنغال يمكن أن يستفاد منه في إدارة نهر النيل بين البلدين. لا سبيل سوى الحوار والتحلي بالعقلانية. وأعتقد بأن أفريقيا تملك من الحكمة، المستندة إلى ثقافاتها وتقاليدها، إضافة إلى الأطر القانونية، ما يمكنها من التوصل إلى حل”.
قوات الجيش السوداني
أفريقيا بين الصين والغرب
في ظل تمتع أفريقيا بثروات معدنية تدخل في الصناعات التقنية المتقدمة ويضعها في قلب المنافسة بين الغرب والصين، برز خطاب أفريقي متزايد يرى أن الصين تفيد القارة تنموياً بينما يلقي الغرب المحاضرات. عن هذه المقاربة، تقول توريه “ما أعرفه هو أن أفريقيا، والسنغال تحديداً، منفتحة على كل أنواع التعاون والشراكات، شرط أن تكون مربحة للطرفين. من المؤكد أن الأسلوب القديم في إدارة الأعمال داخل أفريقيا قد انتهى، فهناك جيل جديد من القادة، أكثر تعليماً وأكثر انتظاماً في الدفاع عن مصالح القارة”.
وأضافت رئيسة الوزراء السابقة، “نحن نرحب بكل المستثمرين، لكن على قاعدة متكافئة. لدينا شركاؤنا التقليديون وأصدقاؤنا القدامى، لكن عليهم أن يدركوا أن الأمور لم تعُد بأساليب الماضي وفي الوقت نفسه، على الشركاء الجدد أن يلتزموا القواعد أيضاً. والقاعدة بسيطة أنت تربح وأنا أربح”.
وعن التحديات التي تواجه السنغال للحفاظ على صورتها كنموذج ناجح في غرب أفريقيا، قالت، “أعتقد بأن الديمقراطية متجذرة في السنغال، لكنها تظل عملاً مستمراً، لا ينبغي أن نقع في وهم أن الديمقراطية شيء نكتسبه مرة واحدة ثم نركن إلى الراحة. هي مسار دائم يتطلب جهداً متواصلاً. علينا أن نثقف المواطنين باستمرار، وأن نعمل مع الصحافة لضمان إعلام مهني، وأن نرسخ استقلال القضاء. كذلك يجب أن نحقق للمواطنين تنمية اقتصادية واجتماعية ملموسة. إنها أجندة متكاملة، ومشاركة والتزام طويل الأمد”.