في بلادٍ كلما بدّلت رأسها ظنّت أنها بدّلت قدرها، صار القصر أشبه بخيمةٍ بدوي تُنصب في ساحةٍ واسعة، يدخلها رجلٌ ببرنيطة لامعة، ويخرج منها آخر بعمامة محكمة، أو يحدث العكس، كأن الأزمة في هندسة القماش لا في انحناءة الوعي.
الرؤساء عندنا يشبهون فصول السنة؛ تتبدّل العناوين، غير أن الهامش واحد. يأتي الأول ممتطيًا حصان الشعارات، يلوّح بيدٍ بيضاء كأنها خارجة من إعلانٍ سماوي. يليه الثاني، يطرق الباب بخشوعٍ مصطنع، ويحمل في جيبه مفاتيح الخلاص. ثم الثالث، يقتحم المشهد بصرامةٍ عسكرية، كأنه جاء ليوقظ الساعة من نومها.
غير أن الكرسي، ذلك العارف المتقشّف، لا ينخدع. يبتسم في سره الخشبيّ، ويهمس لكل جالس: ستمرّ كما مرّوا. وما إن يعتدل الجالس في هيبته حتى تبدأ صورته في الذوبان، كشمعةٍ أُشعلت في رياحٍ قديمة.
الناس لا يبالغون في التصفيق، فقد تعلّموا الاقتصاد في الدهشة. يعرفون أن البلاد ليست قبعةً تُبدَّل، ولا عمامةً تُلفّ بإحكام، بل روحٌ متعبة تبحث عن يدٍ صادقة.
يذهب هذا، يأتي ذاك، وتبقى الأرض واقفةً كشيخٍ حكيم، يسبّح باسم الصبر، ويبتسم كلما سمع وعدًا جديدًا، كأنه يسمع نكتةً قديمة أُعيد سردها بحماسة مبتدئ.