الدولة بين التفكيك والإصلاح: قراءة ومقارنة في أطول أزمة بين السودان وجنوب السودان

تقرير - د.فولينو جوض (*) 

الملخص

تبحث هذه الدراسة في التباين النظري بين برنارد لويس وبيتر أدوك نيابا في تفسير أزمة الدولة في السودان وجنوب السودان. بينما ينطلق لويس من تحليل حضاري–بنيوي يرى أن الدولة المصطنعة متعددة الهويات محكومة بالهشاشة البنيوية، يقدم نيابا تفسيراً مؤسسياً يركز على مسؤولية النخب السياسية في اختطاف الدولة وتسييس الإثنية. تعتمد الدراسة على مراجعة أدبيات فشل الدولة، ونظريات التعددية وتقاسم السلطة، لاختبار فرضية “الحتمية الإثنية” مقابل “البنائية المؤسسية”. وتخلص إلى أن ضعف المؤسسات، لا التنوع بحد ذاته، هو العامل الحاسم في استمرار النزاع، وأن إعادة رسم الحدود لا يمكن أن تكون بديلاً عن الإصلاح البنيوي العميق.

الكلمات المفتاحية: فشل الدولة، التعددية الإثنية، السودان، جنوب السودان، بناء الدولة، تقاسم السلطة.

1. مقدمة: سؤال الدولة قبل سؤال التقسيم

يمثل السودان — بشماله التاريخي وجنوبه المنفصل — إحدى أكثر الحالات تعقيداً في أدبيات فشل الدولة وبناء الأمة. وتدور حوله مقاربتان نظريتان متباينتان: الأولى حضارية–بنيوية ترى في الدولة المصطنعة سبباً للصراع، والثانية مؤسسية–سياسية ترى في اختطاف الدولة جوهر الأزمة.

يمثل برنارد لويس أحد أبرز منظّري الاتجاه الأول. وهو مؤرخ بريطاني–أمريكي تخصص في تاريخ الشرق الأوسط، وارتبطت أعماله بتحليل العلاقة بين الهوية الدينية والسياسية والصراع المعاصر (Lewis, 1990). أما الاتجاه الثاني فيمثله بيتر أدوك نيابا، المفكر والسياسي الجنوب سوداني، الذي قدّم في كتابه “جنوب السودان: النخب، والإثنية، والحروب التي لا تنتهي، والدولة المتعثّرة” تحليلاً نقدياً لبنية السلطة، معتبراً أن النخب السياسية هي التي حوّلت الدولة إلى أداة صراع (Nyaba, 2019).

تنطلق هذه الدراسة من مقارنة هذين المنظورين في ضوء الأدبيات الحديثة في علم السياسة.

2. الإطار النظري: الدولة والتعددية

يعرّف ماكس فيبر الدولة بأنها الكيان الذي يحتكر العنف المشروع داخل إقليم محدد (Weber, 1978). غير أن التعريف المعاصر يضيف عناصر الشرعية، والكفاءة الإدارية، وسيادة القانون (Fukuyama, 2014).

أما بندكت أندرسون (1983) فيرى أن الأمة بناء اجتماعي “متخيّل”، ما يعني أن الهوية الوطنية مشروع سياسي قابل للتشكيل.

وفي سياق النزاعات، تشير دراسات كولير وهوفلر (Collier & Hoeffler, 2004) وفيرون ولايتن (Fearon & Laitin, 2003) إلى أن ضعف الدولة المؤسسي هو المتغير الأكثر تأثيراً في اندلاع الحرب، وليس التنوع الإثني بحد ذاته.

كما تؤكد نظرية الديمقراطية التوافقية (Lijphart, 1977) وإسهامات هورويتز (Horowitz, 1989) أن المجتمعات المنقسمة يمكن أن تحقق استقراراً عبر تصميم مؤسساتي ملائم.

3. برنارد لويس: الحتمية البنيوية وهشاشة الدولة المصطنعة

يرى لويس أن السودان نموذج لدولة نشأت بحدود استعمارية جمعت شعوباً متباينة دون عقد اجتماعي عميق (Lewis, 1990). وتقترب رؤيته من أطروحة صمويل هنتنغتون حول صدام الحضارات (Huntington, 2004)، حيث يُفهم الصراع بوصفه نتيجة تصادم هويات تاريخية.

وفق هذا المنظور، فإن غياب الانسجام الثقافي داخل حدود مصطنعة يؤدي إلى صراع طويل الأمد. ومن هنا جاء اقتراح “الجراحة الجغرافية” بوصفها حلاً لتقليل الاحتكاك بين الجماعات.

غير أن هذا التحليل يفترض ثبات الهوية وعدم قابليتها للتحول المؤسسي، وهو افتراض لا تدعمه الأدبيات الحديثة بالكامل.

4. بيتر أدوك نيابا: الدولة المختطفة والإثنية كأداة سياسية

في المقابل، يقدم نيابا تحليلاً مؤسسياً يرى أن الأزمة ليست في التعدد ذاته، بل في طريقة إدارة الدولة (Nyaba, 2019). فهو يميز بين الإثنية بوصفها هوية ثقافية، وبين الإثنية بوصفها أداة سياسية تُستخدم في صراع السلطة.

يرى نيابا أن احتكار السلطة، وعسكرة السياسة، وغياب المساءلة، وتوزيع الموارد على أسس ولائية، هي العوامل التي حولت الدولة إلى “دولة متعثّرة”.

هذا التحليل يتسق مع الاتجاه الأداتي في تفسير النزاعات، ويجد دعماً في أدبيات تقاسم السلطة (Lijphart, 1977؛ Horowitz, 1989).

5. اختبار الأطروحتين بعد انفصال 2011

لم يؤد انفصال جنوب السودان إلى إنهاء الصراع أو ترسيخ استقرار مؤسسي. بل استمرت النزاعات، وبقيت المؤسسات ضعيفة، واستمرت عسكرة السياسة.

هذه الوقائع تشير إلى أن إعادة رسم الحدود وحدها لا تكفي لحل الأزمة، وتدعم الفرضية القائلة بأن المشكلة بنيوية مؤسسية أكثر منها جغرافية.

6. تموضع الباحث

ينطلق هذا البحث من موقع باحث ينتمي إلى السياق الجغرافي موضوع الدراسة، مع التزام بالمقارنة الأكاديمية المنهجية. فالهدف ليس الدفاع عن الخريطة السياسية أو مهاجمتها، بل تحليل الشروط البنيوية التي تجعل الدولة قابلة للاستمرار أو عرضة للانهيار.

إن النقاش بين لويس ونيابا لا ينبغي اختزاله في ثنائية “الوحدة مقابل الانفصال”، بل في سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة، وحياد مؤسساتها، وقدرتها على إنتاج مواطنة جامعة.

7. الخلاصة

تقدم أطروحة لويس تحذيراً بنيوياً من هشاشة الدولة متعددة الهويات، لكنها تميل إلى الحتمية الإثنية.

أما أطروحة نيابا فتقدم تفسيراً مؤسسياً ينسجم مع الأدبيات الحديثة التي ترى أن ضعف الدولة، لا التنوع، هو جوهر الأزمة.

وعليه، فإن:

 • التقسيم لا يبني دولة.

 • والوحدة لا تضمن الاستقرار.

 • والإصلاح المؤسسي هو الشرط الحاسم لأي مستقبل مستدام.

السؤال المركزي لم يعد: هل الدولة موحدة أم منقسمة؟

بل: هل هي عادلة، ومحايدة، وقادرة على احتكار العنف ضمن إطار قانوني شامل؟

(*) باحث مستقل/دراسات عن جنوب السودان

References (APA 7)

Anderson, B. (1983). Imagined communities: Reflections on the origin and spread of nationalism. Verso.

Collier, P., & Hoeffler, A. (2004). Greed and grievance in civil war. Oxford Economic Papers, 56(4), 563–595.

Fearon, J. D., & Laitin, D. D. (2003). Ethnicity, insurgency, and civil war. American Political Science Review, 97(1), 75–90.

Fukuyama, F. (2014). Political order and political decay. Farrar, Straus and Giroux.

Horowitz, D. L. (1989). Ethnic groups in conflict. University of California Press.

Huntington, S. P. (2004). The clash of civilizations and the remaking of world order. Braille Jymico Incorporated.

Lewis, B. (1990). The roots of Muslim rage. The Atlantic Monthly, 266(3), 47–60.

Lijphart, A. (1977). Democracy in plural societies: A comparative exploration. Yale University Press.

Nyaba, P. A. (2019). South Sudan: Elites, ethnicity, endless wars and the stunted state. Mkuki na Nyota Publishers.

Weber, M. (1978). Economy and society: An outline of interpretive sociology (Vol. 2). University of California Press.

Exit mobile version