- لم يَعُدْ مشروعُ التبشيرِ حاضرًا؛ على المثقَّفِ أنْ يطرحَ رؤًى تُواجِهُ التشظِّي وتستعيدُ أنفاسَ الضحايا
الدوحة – مشاوير / حاوره: مجدي علي
من تخومِ المدينةِ التي تعلّمتْ أن تُصغيَ لنبضِ العمّال، إلى عاصمةٍ تتراكمُ فوق أرصفتِها أسئلةُ الهويّةِ والسلطةِ والمصير، يتكوّنُ صوت عادل سعد يوسف الأدبيٌّ، صوت لا يرضى بالعزلةِ ولا يطمئنُّ إلى الحياد.. كاتبٍ يختارُ منطقةَ التوتّرِ فضاءً للكتابة، حيثُ تتقاطعُ التجربةُ الشخصيّةُ مع الوعيِ الجمعيّ، ويتحوّلُ النصُّ إلى ساحةِ مساءلةٍ مفتوحة..
شاعرًا وروائيًّا ومسرحيًّا وناقدًا، لا يتعاملُ مع الأجناسِ الأدبيّةِ بوصفِها حدودًا فاصلةً، بل بوصفِها مساراتٍ تتجاورُ وتتكاملُ؛ فالكتابةُ عنده مشروعٌ واحدٌ تتبدّلُ أشكالُه، لكنَّ جوهرَه يظلُّ مشدودًا إلى سؤالِ المعنى، وإلى الرغبةِ في إعادةِ تأويلِ الواقعِ بلغةٍ تُحاورُه وتقلقُه في آنٍ معًا.
وُلد في عطبرة عام 1960، في مدينةٍ لم تكن مجرد جغرافيا، بل مختبرًا مبكرًا للوعي والعدالة الاجتماعية، وهو ما انعكس في حساسيته تجاه سؤال المدينة بوصفها كيانًا حيًا، وفي انحيازه الدائم لذاكرة الجماعة. في روايته (أتبرا.. خاصرة النهار) “الفائزة بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي”، تتحوّل المدينة إلى جسدٍ يتنفس، وإلى استعارةٍ وطنية تختبر تحوّلات السياسة والتاريخ. وفي دواوينه، من (سفر الموت) إلى (هاشتاق الميدان)، تتجاور الثيمة الوجودية مع اللحظة الثورية، ويتحوّل الجسد إلى مجازٍ للهوية، كما تصير القصيدة مساحةً للمساءلة والمقاومة معًا.
تكوينه الأكاديمي في اللغة العربية والدراسات الأدبية والتربوية منح نصوصه وعيًا بالبنية والأسلوب، لكنه ظلّ مشدودًا إلى سؤال المعنى أكثر من انشغاله بالشكل. يكتب وهو مدركٌ لخطورة اللحظة السودانية، ولتعقيد ما بعد الثورة، ولثقل الحرب الراهنة، دون أن يسقط في المباشرة أو الشعارات. عنده، الكتابة متراسٌ ضد النسيان، ومختبرٌ لتحليل العنف، وأفقٌ لتخيّل ما يمكن أن يكون.
في هذا الحوار، نقترب من عادل سعد يوسف لا بوصفه صاحب أعمال متعدّدة فحسب، بل بوصفه عقلًا نقديًا يقلق المفاهيم الجاهزة، ويعيد مساءلة العلاقة بين المثقّف والسياسة، بين الثورة والجمال، بين النص والواقع.
حوارٌ يحاول أن ينصت إلى صوته وهو يفكر في المدينة، في الجسد، في الحرب، وفي السؤال الأكبر الذي ما يزال يؤرقه: كيف يمكن للكتابة أن تعيد ترتيب العالم رمزيًا، وسط هذا الخراب؟
المدينة والذاكرة
وُلدت في عطبرة، مدينة الإرث النقابي والنضالي. كيف أسهمت هذه البيئة في تشكيل وعيك الفكري والجمالي والسياسي المبكّر؟
هذا سؤالٌ طُرِحَ كثيرًا، وفوقَ ذلكَ ينطوي على مسؤوليةٍ كبيرةٍ، ويخفي فخاخًا من التجربةِ؛ سأحاولُ الإجابةَ بطريقةٍ غيرِ مباشرةٍ ومتسائلةٍ: ألا تتفقُ معي في أننا نحتاجُ لتعريفاتٍ جديدةٍ “غيرِ كلاسيكيةٍ” لبعضِ المفاهيمِ؟ يمكنني الكلامُ ضمنَ الحدودِ التاريخيةِ لسكِّ المفهومِ، وضمنَ الموقفِ اليوميِّ والصراعيِّ، ولكنْ بالنظرِ إلى المتغيراتِ في مستوى الفلسفاتِ الكبرى وسياقاتِها، لم تعدْ هذه السرديةُ بذاتِ القوةِ، ما لم يُتحْ أفقُ المساءلةِ منظورًا معرفيًّا جديدًا للتعاطي.
أنا تلكَ النبتةُ التي وُجِدَتْ هناكَ، في ذاتِ تاريخٍ مناسبٍ. بالطبعِ ثمةَ مؤثراتٌ عظيمةٌ شكلتْ ذاكرةً لا تخبو، ذاكرةً تأسّستْ في البحثِ عن الجوهرِ الحقيقيِّ للأشياءِ، لكننا علينا أنْ نمتحنَ هذه الذاكرةَ، أنْ نختبرَ أنظمةَ اشتغالِها، ومنصاتِ تأسيسِها، أنْ “نتملّصَ” من سطوتِها، أنْ ننجوَ من شركِ الصنمياتِ والأطرِ التصنيفيةِ الجاهزةِ.
لك تجربة مع الغربة والمنافي، هل أفادت؟
الغربةُ والمنفى، رغمَ أنهما ظلمٌ كونيٌّ، ووجعٌ من الشتاتِ القسريِّ، إلا أنهما تغدوانِ في وجهٍ من الوجوهِ مغامرةً مليئةً بالكشوفاتِ، وبالإنصاتِ للذاتِ، واكتشافِ ما كانَ مخبوءً ومستترًا؛ بها تتعرَّفُ العالمَ كصوتٍ حقيقيٍّ، بعيدًا عن تلكَ الصورِ الافتراضيةِ، إنها قراءةٌ جديدةٌ لأسفارِكَ الشخصيةِ.
في روايتك (أتبرا .. خاصرة النهار) الصادرة عن مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي والحائزة على جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي، تتحوّل المدينة إلى جسد حي.. هل تكتب عطبرة بوصفها سيرة شخصية أم استعارة وطنية؟
قراءةٌ جيدةٌ؛ أتبرا ليستْ خلفيةً أو ديكورًا مكانيًّا، إنها شخصيةُ تُغيِّرُ ملامحَها، وتُغيِّرُ أبطالَها، إنها تمتلكُ أقنعتَها، سرديتَها، خصوصيةَ نشأتِها، وبهذا تشكّلتْ بوصفِها استعارةً تُختبرُ في علاقاتِها التحولاتُ الوطنيةُ، وحِيوزاتُ التحرّرِ التي تحاولُ استعادةَ بناءِ الخطابِ، وتمركزِهِ في هُويةٍ عماليةٍ تناهضُ المستعمرَ.
إلى أي مدى تمثّل الكتابة عندك فعل مقاومة، خصوصًا في بلد تتعرّض ذاكرته الجمعية للتشظّي؟
الكتابةُ في تراكمِها متاريسُ ضدَّ النسيانِ، وجُدُرِ الصمتِ العاليةِ، وظلاميةِ الخوفِ؛ الكتابةُ تخلقُ متخيلًا مقاومًا، هي ثورةُ الخلاصِ في مواجهةِ القبحِ التدميريِّ، “أرجو ألا أكونَ مسرفًا في الأملِ”.
اللغة والأجناس
أنت شاعر وروائي ومسرحي وناقد في آن.. هل ترى أن تداخل الأجناس في تجربتك كان خيارًا جماليًا واعيًا، أم ضرورة فرضتها طبيعة الأسئلة التي تكتبها؟
آملُ أنْ يكونَ العُمرُ كافيًا ومتسِعًا لما تقولُ، أوضحتُ سابقًا موقفي الفكريَّ والجماليَّ من مسألةِ تداخلِ الأجناسِ، وقلتُ إنني غيرُ مهتمٍّ بالتجنيسِ؛ الأجناسُ دائمًا ما تُخترقُ، بالتأكيدِ هذا العبورُ الأجناسيُّ انتماءٌ واعٍ لضرورةِ وخصوصيةِ التجربةِ، هي واحدةٌ من الرهاناتِ التجريبيةِ التي أرتكنُ إليها، وغدتْ – كما تلاحظُ – إحدى التقنياتِ بوصفِها حساسيةً أسلوبيةً في الكتابةِ عندي.
في (سفر الموت “حالات حامل التابوت”) يتحوّل الموت إلى بطل رمزي. هل الموت عندك ثيمة وجودية أم قراءة سياسية مبكّرة لما آلت إليه البلاد؟
بكلِّ تأكيدٍ، الموتُ من الثيماتِ الوجوديةِ الكبرى، بلْ هو محركُ الأسئلةِ الفلسفيةِ؛ في (سِفرِ الموتِ “حالاتِ حاملِ التابوتِ”)، الموتُ هنا يعطي الحياةَ قيمةً، إنه محاولةٌ لإيقاظِ الإنسانِ في البُعدِ السيزيفيِّ، شعريةٌ عنيفةٌ مليئةٌ بأساطيرِ التاريخِ، ومماثلةٌ للتيهِ التوراتيِّ كحالةٍ مشابهةٍ، رغمَ ذلكَ كانَ يجبُ علينا تحويلُ هذا الفناءِ إلى معنىً. يقولُ يانيس: “ففي الشعرِ الحقيقيِّ توجدُ قوةٌ اجتماعيةٌ وتاريخيةٌ مستمرةٌ”.
في (عاليًا كحبّة عرق تنام على سرّتك) و(الرملُ. بكِ أثقلُ الحدائق حتى ثمارها) يحضر الجسد بوصفه استعارة. هل الجسد هنا ذات فردية أم مجاز للوطن المثقل بالجراح؟
دعني أبدأُ من (الرملِ)، وهو سابقٌ في النشرِ عن (عاليًا)؛ بالنسبةِ للرملِ، كانتْ حالةً أشبهَ بغنوصيةٍ خاصةٍ، إنها تشوُّفاتُ الرائي عبرَ الارتكانِ لمحاورةِ الواقعِ بزاويةٍ أخرى، هي إحدى تجلياتِ الكينونةِ في مساءلةِ العدمِ، فالرملُ عبرَ تاريخيتِهِ الثقافيةِ يرمزُ للفناءِ، لِمَ لا يتمُّ اختراقُهُ عبرَ جديدِ التساؤلاتِ الرؤيويةِ؟ “فالرَّمْلُ ظَنًّا وحَقِيقَةً ظَمَأٌ لا يُحَدٌ وكَذلكَ الأنْثىه”، إنه انوجادٌ يتأنسنُ في الشرطِ الوجوديِّ.
ولكي لا نذهبَ بعيدًا، هذانِ نصّانِ مختلفانِ في الإطارِ الفلسفيِّ والجماليِّ؛ رغمَ حضورِ الجسدِ في كلٍّ، إلا أنَّ حضورَهُ في (الرملُ.. بكِ أثقلُ الحدائقِ حتى ثمارُها)، يبدو كمطلقٍ ومتعالٍ، وفي (عاليًا كحبّةِ عرقٍ تنامُ على سرتِكِ)، يحضرُ الجسدُ كهويةٍ محمّلةٍ بتاريخِها الإثنوجرافيِّ والثقافيِّ، بالجغرافيا، باليوميِّ والمستعادِ من أرواحيةِ الأسلافِ؛ هذه بؤرةُ الاختلافِ، هنا نمضي تجاهَ أسئلةٍ مختلفةٍ، نصوصٍ خارجَ الثنائيةِ وانشطارِ الهويةِ.
كيف توفّق بين الحس الشعري الكثيف ومتطلبات السرد الروائي الذي يحتاج إلى نفس طويل وبناء درامي؟
من قالَ إنَّ الشعرَ لا يحتاجُ إلى نَفَسٍ طويلٍ وبناءٍ دراميٍّ، وإنَّ الرِّوايةَ لا تحْتَاجُ لكَثَافةِ اللُّغةِ ومَجازِها؟ اللغةُ تبني العالمَ، والشعرُ يعيدُ تسميةَ الأشياءِ، ويعيدُ براءتَها، وهذا ما يفتحُ أفقَ الكتابةِ.
في (ندم البرتقالة ما يخصّني) عنوان ديوانك الأخير يحمل مفارقة لافتة بين البراءة “البرتقالة بوصفها ثمرة ضوء وحياة” والندم “بوصفه شعورًا إنسانيًا مثقلًا بالتجربة”.. كيف تشكّل هذا العنوان في وعيك؟ وهل “ندم البرتقالة” هو ندم فردي أم استعارة لندم جماعي يتصل بالوطن والذاكرة؟
فِي (نَدَمِ البرتقالةِ مَا يخصُّني) “عَلَيْنَا أَلَّا نجنحَ للتأويلِ”، وَهُوَ لَيْسَ ديواني الأخيرَ كَمَا تفضلتَ؛ فديواني الأخيرُ (مجمرةٌ تتنفسُ فِي يدي)، هُنَا نَحْنُ إِزاءَ حالةٍ إنسانيةٍ فِي كَامِلِ توهجِها وانطفائِها. سأكونُ أَكْثَرَ دقةً: مَا الَّذِي يتبقى مِنْ تِلْكَ المساومةِ الوجدانيةِ؟ مِنْ لَحْظَةِ الجنوحِ صوبَ قاحلةِ الرحيقِ لَا شيءَ غيرُ الندمِ؛ هَذَا مَا يخصُّني بالطبعِ، مَا يجرحُ العلاماتِ المضيئةَ فِي المعيةِ البشريةِ، وانتقاصِ الوجودِ.
في هذا الديوان، هل تميل إلى كتابة اعتراف شعري ذاتي، أم أنك تستخدم الصورة الحميمة (الثمرة/ الجسد/ الطبيعة) كقناع جمالي لقول ما لا يُقال مباشرة عن الفقد والتحوّلات التي يعيشها السودان؟
إنَّ هناكَ عواملَ كثيرةً، محيرةً وغامضةً تؤسسُ الشعرَ، تقولُ ناديةُ تويني: “القصيدةُ مكانٌ جغرافيٌّ للروحِ”، وهذا صحيحٌ؛ قد تكونُ الصورةُ قريبةً أو بعيدةً أو قناعيةً كما تفضّلتَ، ولكنْ لديَّ يقينٌ في أنني حاولتُ فيهِ أنْ أعيدَ معماريةَ روحي، وفضحَ ماهويةِ الغيابِ بالحضورِ، لذلكَ جاءَ الإهداءُ مختلفًا ومتناصًّا.
أيَّتُهَا الجَمْرَةُ الكَوْنِيَّةُ
كُلُّ نَافِذَةٍ أَكْتُبُ عَلَيْهَا اِسْمَكِ
تَصِيرُ طَيْرًا
بِإذْنِي
..
..
كَأنَّكِ قُبْلَةُ الصَّوْتِ عَلى نَهْرِ المَجَازِ.
