في صباح يغمره ضباب التاريخ، تتقافز أوراق كتاب «سياست نامه» على مآذن طهران، كطيور ضائعة تبحث عن عششها منذ ألف عام. كل صفحة تهمس بالحكمة، كل سطر يلمع كنجمة تتراقص فوق أسطح القصور، لتخبر أي حاكم أن ملكه قد ينهار قبل أن يدرك أنه كان يحمل في يده مفاتيح النجاة.
الكتاب، رغم قدمه، يضم حكاية عجيبة عن الدولة والعدل والحكم، يرويها أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي كما لو كان يهمس للعالم: السلطان الذي ينشغل بإدارة الخارج قبل أن يصلح أحوال الداخل، يشبه ربّان سفينة يطارد العواصف في البحار البعيدة بينما الماء يتسرب إلى قاعها بهدوء.
اليوم، تبدو بلاد فارس وكأنها في حاجة ماسة إلى حكمة (السلاجقة)؛ فالدولة التي تشق طريقها بين صراعات خارجية وأطماع بعيدة، تُغفل حكمتها القديمة، فيتصاعد النفوذ العسكري خارج حدودها بينما الداخل يئن من الفساد والانحراف عن العدالة.
الحروب بالوكالة، التدخلات العابرة للحدود، والصراعات السياسية الداخلية، كلها تعكس تجاهلاً لقواعد البقاء التي صاغها (نظام الطوسي)؛ الذي جعل العدل أساس القوة، والحكمة أمضى من الحديد والنار.
في هذا الصمت، يظهر «سياست نامه» كمرآة أمام عيون الحاضر، يحدق فينا ويهمس: “تذكّروا، الحكمة لا تموت، لكن من يرفضها يموت معها”. تتحول نصائح الطوسي إلى نبوءة صامتة، تتجلى في كل قرار خاطئ، في كل صراع أهدر فيه العدل، في كل شرفة سلطوية تشهد سقوط التوازن بين القوة والمسؤولية.
بين صفحات الكتاب وهمس الواقع، يتضح أن القوة بلا حكمة والسلطة بلا عدل لا تصنع سوى خراب مديد، وأن العودة إلى الطوسي ؛ لن تصبح الآن ردة، بل ضرورة كي لا تتحول البلاد كلها إلى أطلال منسية.