الرأسمالية الطفيلية مصدر أزمات البلاد!

د. أحمد عثمان عمر

في تلخيص راديو دبنقا لخطاب وزير مالية حكومة الأمر الواقع غير الشرعية المقيم بكرسي الوزارة منذ محاصصة جوبا وتقسيم الغنائم فيها، ورد أنه ذكر ان الحرب الدائرة في الخليج ستؤدي إلى شح الإمدادات والسلع وزيادة سعر الذهب والبترول، وأن الحرب الدائرة في السودان جزء من تشكيل الشرق الأوسط (يبدو انه يقصد إعادة تشكيل هنا).

وبعيداً عن ان ملخص الخطاب يوضح أنه خطاب سياسي لا اقتصادي او مالي من وزير مالية من المفروض أنه يدير أزمة مستحكمة ويفترض أن يقدم خطابا اقتصاديا ماليا لا سياسيا في معظمه، لا بد من التوقف عند ما ذكر بالمخلص أعلاه لأنه يعكس توجه حكومة الأمر الواقع بلا شك وسياستها المالية الاقتصادية للفترة القادمة. فالحديث عن حقائق مثل ارتفاع سعر الذهب والبترول وشح الإمدادات والسلع، يعني عمليا أن السلطة غير الشرعية سوف تستخدم الحرب في منطقة الشرق الأوسط ذريعة لتبرير شح الإمدادات والسلع وارتفاع نسبة التضخم وعجز المواطن المغلوب على أمره عن الحصول على احتياجاته الأساسية، والقول بأن الحرب الدائرة في السودان جزء من تشكيل الشرق الأوسط أو إعادة تشكيله يقصد به إخفاء أسباب حرب السودان الداخلية للتهرب من مسئولية إشعالها واستمراريتها.

الادعاءان في جوهرهما يخفيان ويغطيان جوهر الأزمة المستمرة في السودان منذ أن سيطرت الرأسمالية الطفيلية غير المنتجة على النشاط الاقتصادي في البلاد، واستحكمت قبضتها عبر التمكين السياسي في فترة نظام الإنقاذ الذي كونته الحركة الإسلامية المجرمة طليعة الرأسمالية الطفيلية وقيادتها، وقادت البلاد عبر انقسام وتناحر فئاتها المختلفة إلى الحرب المدمرة الماثلة في السودان.

فشح السلع ونقص الإمدادات ، نتج عن حرب الطرفين المتناحرين التي أدت إلى ضرب الصناعة وإصابتها بالشلل عبر إخراج أكبر مناطق صناعية في العاصمة المثلثة من عملية الإنتاج ، وتدمير قطاع عانى طوال فترة الإنقاذ من هيمنة النشاط الطفيلي على مدخلات الإنتاج المستوردة، وعلى التمويل و على اعادة توزيع المنتجات وسلاسل الامداد، وعلى الصادر الذي لا يعود دولاره إلى الخزينة العامة. كذلك نتج عن ضرب الإنتاج الزراعي في مقتل عبر اخراج مشروع الجزيرة من دائرة الإنتاج الفاعل عبر تهجير مواطنيه ونهب مقدراتهم من قبل المليشيا الإرهابية، والمحاولات الجارية من قبل السلطة غير الشرعية حاليا لتغيير قوانينه والسيطرة على أراضيه وقتله كمشروع زراعي رائد.

والأزمة موجودة منذ أن تغيرت صيغ التمويل الزراعي في فترة الإنقاذ وقادت لإفقار المنتج، ومنذ ان استخدمت الجبايات لطرد المنتج من دائرة نشاطه وتكسير المنشآت الزراعية والصناعية عبر التدابير المالية والإدارية، ومنذ ان أصبحت تكلفة الإنتاج مدمرة للمشاريع المسيطر على مدخلات إنتاجها وعلى مخرجات عمليتها الانتاجية من قبل رأس المال الطفيلي.

فالمراقب للمشهد كان يأمل أن يحدثنا الوزير القادم عبر المحاصصة، عن الاقتصاد الموازي الذي لا يدخل خزينة الدولة الذي حدده (المؤسس) ب 82% من الناتج القومي المسيطر عليه من قبل الجيش المختطف وشركات الأجهزة الأمنية وبالتبعيّة من الحركة الإسلامية المجرمة، وعن الفضائح المالية التي نشرها العميد فضل الله المسؤول المالي السابق عن مدى الفساد المسيطر في هذا القطاع بالصورة والصوت في البودكاست المنتشر في الميديا هذه الأيام، وعن لوردات الحرب المسيطرين على تجارة الصادر والوارد الآن ويتحكمون في سلاسل الامداد التي يتحدث عن شحها، وعن صادر الذهب واين يذهب، وعن ميزانية الحرب وكيفية تمويلها، وعن غياب الخدمات واستحالة الحصول عليها لأغلب المواطنين، وعن خطط السلطة الفعلية الرامية لتنشيط الدورة الاقتصادية ومساعدة المنتجين والفاعلين الاقتصاديين وتمويلهم لإعادة فتح وتشغيل منشآتهم التي بدون عودتها للعمل لن يعود النازحين.

فبدلا من دعوة اللاجئين والنازحين للعودة دون أسس لها، كان المتوقع أن يحدثنا وزير المالية عن كيفية عودة اصحاب المصانع في العاصمة المثلثة لدائرة الإنتاج حتى يعود العمال ، وكيفية عودة اصحاب المزارع للإنتاج حتى يعود المزارعين والعمال الزراعيين للعمل، وكيفية عودة اصحاب الشركات لنشاطهم وعودة التجار لأسواقهم، وجميعهم لا يملكون أموالا بديلة لتلك التي نهبتها المليشيا الإرهابية ويعيشون تحت خط الفقر، كيف يعود هؤلاء دون أن تمولهم وزارة الوزير بالحد الادني الذي يسمح بهذه العودة.

من اين يأتي هؤلاء بالتمويل الذي يسمح لهم بإستعادة نشاطهم والبدء في اعادة الإعمار ليصبح من يعملون معهم قادرين على العودة؟
الطبيعي هو ان يحدثنا الوزير المختص على سلاسل الامداد في الداخل التي تسبقها عملية انتاج قادرة على توفير الامداد نفسه والمنتج الذي يحتاج لسلاسل إمداد مع خدمات مصاحبة ونشاط تجاري مستقر، لا ان يتحدث لنا عن أثر حرب إقليمية سوف تطال العالم كله، لكن استجابة كل اقتصاد لها تحدده معطيات داخلية بالأساس.

أما محاولة توصيف حرب السودان بإعتبارها جزء من تشكيل الشرق الأوسط ( يقصد إعادة تشكيل)، فالمقصود منه بوضوح القول بأن الحرب اسبابها خارجية وانشغال اطرافها بتلك الحرب سيقود إلى انتصار حتمي لسلطة الأمر الواقع غير الشرعية ومضمون ملخص الخطاب يؤكد ذلك.

وهذه المحاولة تخفي حقيقة أن هذه الحرب أشعلتها الحركة الإسلامية المجرمة نتيجة لاختلال توازن الاتفاق الإطاري بمستوى يهدد التمكين، بعد تمرد المليشيا الإرهابية التي صنعتها عليها، ورفضها مواصلة الانصياع لها نتيجة لفشل انقلاب الطرفين على حكومة شبه المدنية وفض شراكة الدم مع التيار التسووي بقيادة (المؤسس).

فالانقلاب وقع بهدف تصفية ثورة ديسمبر المجيدة بعد اكتمال احتوائها عبر انقلاب القصر ومن ثم الوثيقة الدستورية المعيبة المؤسسة لشراكة الدم.

وفشله قاد لاختلاف طرفيه في الموقف من الاتفاق النهائي المبني على الاتفاق الإطاري الذي وافقا عليه معا، بإعتبار أن مجلس الأمن الدفاع بذلك الاتفاق سيجعل منهما وحركات محاصصة جوبا الحاكم الفعلي ويوفر لهما غطاءا مدنيا في شراكة دم جديدة تحافظ على التمكين، بشرط استمرار تبعية المليشيا الإرهابية للحركة الإسلامية المجرمة، وهو الشرط الذي سقط فاختلت الموازين وقامت الحرب ، لأن كل طرف – وكلاهما يمثل فئة من فئات الرأسمالية الطفيلية- أراد ان ينفرد بالتمكين لنفسه عبر الانفراد بالسلطة، ولهذا تم التمهيد بإتفاق جوبا (تحت التربيزة) ومحاولة المليشيا الإرهابية الاقتراب من التيار التسووي عبر التحالفات الإقليمية.

وبالطبع هذا لا ينفي التدخل الخارجي في الصراع استنادا لمصالح الدول ذات الصلة، ولكنه يؤكد أن الصراع أساسه داخلي وأن أطرافه هي التي سمحت بهذا التدخل لحاجتها للدعم ولا استثناء في هذا الأمر. فكما للمليشيا الإرهابية من يدعمونها، للجيش المختطف ايضا داعمين كثر، لذلك دأب المجتمع الدولي على الطلب من عضويته عدم دعم الطرفين.

والخلاصة هي أننا لن نشتري حديث الوزير لأننا نعرف أسباب شح الإمداد وغياب الخدمات، كما نعلم تماما أسباب الحرب الماثلة، وندرك تماما بأن شعبنا قادر على إنهاء حرب السودان وإلقاء طرفيها في مزبلة التاريخ لتحقيق أهداف ثورته المجيدة.

وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله

Exit mobile version