​نور الدين مدني.. (ضمير) الصحافة السودانية

​محمد عبد الماجد

عندما دخلنا مجال الصحافة، كانت هنالك أسماء نحترمها لدرجة الخوف، والخوف نفسه دلالة علم وتقوى: (إِنَّمَا یَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَـٰۤؤُا۟ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِیزٌ غَفُورٌ). [سُورَةُ فَاطِرٍ: ٢٨].
​كان الصحافي في زمن الصحافة الورقية صاحب هيبة وكاريزما لا تقاوم، كان هو الذي يشكل الرأي العام، وليس كما يحدث الآن؛ حيث الصحفيون يشكلهم الرأي العام وإشعارات “بنكك”! يتوافقون مع تيار “السوشيال ميديا” دون أن يسببوا إزعاجاً للسلطات، بل يطبطبون عليها؛ فقد تحولوا في هذا العصر إلى حواضن للنجوم أو المسؤولين، وأصبحوا أشبه بمزارع السمك تصيداً للمعلومات أو تربيةً لها.

لقد أصبحت “المعلومة” بضاعة وتجارة ووجاهة، يكون فيها الرابح هو من يحصل على تفاعلٍ أكثر، وفي الغالب تُنشر المعلومة نفسها بأجندة خفية ومآرب أخرى.

​سباق “التريند” حوّل الصحفيين إلى عمال جباية، وعمال يومية.

​الأسماء التي شكلت وجدان الناس وكانت تحدد مسار السلطة، كانت أسماءً كبيرة تمتلك شخصية نافذة؛ فقد كانت “أيام” محجوب محمد صالح، و”صحافة” فضل الله محمد و “خرطومه” ، و”رأي عام” إدريس حسن، و”وطن” سيد أحمد خليفة، و”أضواء” كمال محمد الحسن، و”أسبوع” تيتاوي، و”آخر لحظة” حسن ساتي، و”شارع سياسي” محمد محمد أحمد كرار، و”سوداني” نور الدين مدني، و”رأي آخر” آمال عباس، و”ألوان” حسين خوجلي، وحتى جيل فيصل محمد صالح و”أحداث” عادل الباز؛ كانت تلك الصحافات تحدد مسار السلطة وتصححه.

كانوا يقتلعون الحقوق عنوة واقتداراً، وكانت الحريات حقاً مثل الماء والخبز تُؤخذ ولا تُمنح.

​وقتها كانت (الأستاذية) مرجعية.. ننظر لهم كنجوم بعيدة، ثم جاءت “الميديا” فانهار سد الأستاذ؛ لذلك غاب المعلم والقدوة وانتهت المؤسسية، وأصبحت المعلومات تمنح لمن (يطبّل) أكثر.

ولا أنسى من باب الفضل ـ الدكتور عبد اللطيف البوني، وعثمان ميرغني، وزهير السراج، والراحل سعد الدين إبراهيم، والراحل الفاتح جبرا؛ فقد كانت أعمدتهم الصحفية إكسير حياة.

​نور الدين مدني أنظر له كضمير للصحافة السودانية؛ كان يمثل لنا الضمير الحي، والحرف المضيء، والكلمة الحق.

​اللهم ارحم عبدك نور الدين مدني واغفر له، وهو ينتقل إلى جوارك في هذه الأيام المباركة بعد مسيرة حافلة بشرف الكلمة ونور المهنية.
​ولا حول ولا قوة إلا بالله.

Exit mobile version