مؤانسة رمضانية (16)

فيصل محمد صالح

مسامرة مع المتنبئ

اعتقد أن الجملة الشهيرة “ملأ الدنيا وشغل الناس” لا تكاد تنطيق على شخص في التاريخ الإنساني مثلما تنطبق على سيدنا ومولانا أَبُو الطَّيِّب المُتَنَبِّي أحمَدُ بن الحُسَينِ الجُعْفِيُّ الكِنْدِيُّ الكُوفِيُّ المولود بالكوفة عام 303 هـ/915 م، والمتوفي عام 354هـ / 965م.

ربما يكون هناك بعض الجدال، لكن هناك إجماع أنه أعظم شاعر عربي سجل لنا التاريخ شعره وحياته ومغامراته. الطريف أنه لم ينتظر أن يحمل له التاريخ والمؤرخون والنقاد هذه الشهادة، بل سجلها لنفسه ” أنا الذي نظر الاعمي إلى أدبي..وأسمعت كلماتي من به صمم، أنام ملء جفوني عن شواردها.
ويسهر الخلق جرّاها ويختصمُ”..” وما الدهر إلا من رواة قصائدي…إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا”….”الخيل والليل والبيداء تعرفني..والسيف والرمح والقرطاس والقلم”.

وهو أيضا بلغ مبلغا من الغرور، المستحق طبعا، لدرجة أنه يضع قواعد اللغة ويغير فيها. تقول الرواية أنه أنشد في مجلس سيف الدولة قصيدته البديعة “لَياليَّ بعدَ الظاعنينَ شُكولُ..طوالٌ، وليلُ العاشقينَ طويلُ”..ووصل للبيت “إذا كان بعضُ الناسِ سيفًا لدولةٍ..ففي الناسِ بوقاتٌ لها وطبولُ”
فانبرى أحد الجالسين من أنصار أبي فراس الحمداني، الشاعر الفارس وابن عم سيف الدولة، وكان بينه وبين المتنبئ منافسة وغيرة وترصد، فقال للمجلس “لقد ألحن شيخنا.

فكلمة بوق تجمع على أبواق ..وليس بوقات”، فالتفت كل المجلس للمتنبئ الذي رد سريعا..ّ إذهب فقل في الناس أنها صارت تجمع على بوقات..لأن المتنبئ قال كذلك”..أبو الزفت.

كيف لا وهو القائل في نفس القصيدة “أنا السابقُ الهادي إلى ما أقولُهُ..إذا القولُ قبلَ القائلينَ مقولُ”

وبلغ فخره بنفسه مبلغا أثار أحيانا غيرة ممدوحيه مثل الأمير سيف الدولة الحمداني، خاصة مع وجود بعض حساد وخصوم المتنبى في المجلس الذين كانوا يوغرون صدر سيف الدولة، فعندما يقول “سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا
..بأنني خير من تسعى به قدمُ” كانوا يقولون له “وماذا تركت للأمير..؟”.

نجح الذين يوغرون صدر الأمير تجاه المتنبئ، فغضب منه، واضطر الشاعر الكبير لترك حلب وضرب في فيافي الأرض، لكنه ترك لنا شعرا خالدا، فقد كانت محبته لسيف الدولة كبيرة. خرج وهو يعاتب الأمير “واحرَّ قلباه ممن قلبه شبمُ..ومن بجسمي وحالي عنده سقمُ، يا أعدل الناس إلا في معاملتي..فيك الخصام وأنت الخصم والحكمُ”.

وقدم للأمير خدمة كبيرة بتخليد اسمه في ديوان الشعر العربي. ولا أعرف إن كان يهم القراء أن يعرفوا حقيقة ومصير سيف الدولة أم لا، فهو لم يكن السيف المنتصر دائما، كما صوره المتنبئ في شعره، فقد تعرض لهزائم واضطر للخروج من حلب بعد هزيمته أمام القائد البيزنطي نقفور فوكاس سنة 962م، ودخل البيزنطيون المدينة فاستباحوها ونهبوها وحرقوها قبل أن ينسحبوا منها.
هناك اعتقاد أن غرور المتنبئ وشغله لنفسه لم يترك له مجالا للحب والغزل، لهذا هو لم يكتب شعرا في هذا الجانب، وجزء من هذا الكلام صحيح، فقد تركز معظم شعره في الفخر والحكم ومدح الامراء.

لكن كان للغزل والتشبب نصيب قليل، بعضه جاء في مقدمات القصائد مثل..” أغالِبُ فيكِ الشوقَ والشوقُ أغلبُ.

وأعجبُ من ذا الهجرِ والوصلُ أعجبُ”..ومثل “أقلبُ طرفي في السماءِ لعلهُ
..يوافِقُ طرفي طرفَها حين تنظرُ “.

ويُقال إن المتنبي عندما كان في بلاط سيف الدولة في حلب أعجب بالأميرة خولة الحمدانية، وكانت مشهورة بالجمال والذكاء. ولأنها أميرة، لم يكن من الممكن أن يصرّح الشاعر بحبه لها، فكان يلمّح في بعض أبياته..مثل ”
“مالَنا كُلُّنا جَوٍ يا رَسولُ..أَنا أَهوى وَقَلبُكَ المَتبولُ، كُلَّما عادَ مَن بَعَثتُ إِلَيها..غارَ مِنّي وَخانَ فيما يَقولُ، أَفسَدَت بَينَنا الأَماناتِ عَيناها ..وَخانَت قُلوبَهُنَّ العُقولُ، تَشتَكي ما اِشتَكَيتُ مِن أَلَمِ الشَوقِ إِلَيها وَالشَوقُ حَيثُ النُحولُ”.كان يترنم بها الفنان عبد الكريم الكابلي.

وفي كلمتي في احتفال تكريم الكابلي الذي نظمته شركة “دال” قبل سنوات، قلت إن من كرامات الكابلي أنه جمع في صوته الخصمين اللذين قل ما يلتقيان، المتنبئ وأبي فراس، فغنى للمتنبئ “ما لنا كلنا جو يا رسول” وغنى لأبي فراس “أراك عصي الدمع”، وقد أعجبت هذه الملاحظة الكابلي وسُرً بها.

ومن الأبيات التي قالها المتنبئ عندما توفيت خولة:
طَوى الجَزيرَةَ حَتّى جاءَني خَبَرٌ..فَزِعتُ فيهِ بِآمالي إِلى الكَذِبِ، حَتّى إِذا لَم يَدَع لي صِدقُهُ أَمَلاً..شَرِقتُ بِالدَمعِ حَتّى كادَ يَشرَقُ بي”.

هذه الأبيات تُظهر حزنًا شديدًا على وفاتها، حتى ظن بعض النقاد أن حزن المتنبي عليها كان حزن عاشق لا مجرد شاعر يمدح أسرة أميرة.

Exit mobile version