في قلبِ مدينةِ تورونتو (Toronto) الكندية، حيث تتجاور الأبراج الحديثة مع مبانٍ قديمةٍ تحمل آثار الزمن، يمتدُّ حيّ ريجنت بارك (Regent Park) كخريطةٍ صغيرةٍ للعالم.. هنا تتداخل اللغاتُ، وتتصاعدُ روائحُ المطابخِ من شرفاتِ البيوتِ، وتتشابكُ الحكاياتُ في الأزقّةِ الضيّقةِ كما تتشابكُ أصواتِ الأطفالِ في الساحاتِ. في هذا المكانِ، حيث التنوّعُ الثقافيُّ يجاورُ القسوةَ الاجتماعية، وُلِدَ مصطفى أحمد محمد لأسرةٍ سودانيةٍ مهاجرةٍ، جاءت تحملُ في حقائبها ذاكرةَ النيلِ، وأملَ البداياتِ الجديدةِ.
كبرَ مصطفى في ذلك الحيّ المكتظِّ بالحياةِ، حيث ضجيجُ الشوارعِ، ووقعُ خطواتِ الشبابِ العائدين من مدارسهم أو من ليالٍ طويلةٍ في شوارعِ المدينةِ. كان الحيُّ، بكلِّ ما فيه من دفءٍ وصعوبةٍ، مدرسةً أولى للحياةِ. ومن تلك المدرسةِ تشكّل وعيُ الطفلِ، فصار يُنصِتُ إلى القصصِ الصغيرةِ التي تدور حوله: حكاياتُ الجيرانِ، وضحكاتُ الأصدقاءِ، وأحزانُ البيوتِ التي يطرقها الفقدُ أحيانًا.
في ذلك العالمِ الذي يصحو كلَّ صباحٍ على حكايةٍ جديدةٍ، بدأ الطفلُ يكتشف أن الكلماتَ يمكن أن تكون ملاذًا. شيئًا فشيئًا صار مصطفى يكتب، لا لأنه قرّر أن يكون شاعرًا، بل لأن الكلماتَ كانت تبحث عنه. كان يلتقطُ تفاصيلَ الحياةِ اليوميةِ كما يلتقطُ الضوءُ الغبارَ في الهواءِ: أصدقاءٌ يجلسون على الدرجاتِ الإسمنتيةِ، أمهاتٌ يراقبنَ أبناءهنَّ من النوافذِ، وأصواتُ المدينةِ وهي تتقاطعُ مع نبضِ القلبِ.
وهكذا، قبل أن يعرفَ العالمُ اسمه، كان الحيّ يعرفه جيّدًا.
وردة واحدة
في (ريجنت بارك) بدأت البذرةُ الأولى. هناك كتبَ مصطفى قصائدهُ الأولى وغنّى أغانيهُ الأولى، في عالمٍ لم يكن دائمًا مرحبًا بهويةِ شابٍّ سودانيٍّ مسلمٍ يبحث عن صوتهِ الخاصِّ. لكن داخل البيت كان هناك إيمانٌ صامتٌ بموهبتهِ. كانت عائلته ترى ما لم يره هو بعد، وتمنحه مساحةً كي يكتشفَ نفسه. وكان لشقيقته (نمارق) دورٌ خاصٌّ في تلك الرحلة؛ فقد كانت أول من فتح أمامه بابَ الشعرِ، وقدّمته له كنافذةٍ يمكن أن يتنفّس منها حين تضيق الحياةُ.
ويُروى أن مصطفى وقف وهو في الثانية عشرةِ من عمره على مسرحِ مدرسةِ نيلسون مانديلا بارك العامةِ في تورونتو، وألقى مقطعًا شعريًا من تأليفه بعنوان (وردة واحدة) (A Single Rose). كان ذلك العرضُ المبكرُ لحظةً لافتةً في حياته؛ فقد انتشر تسجيلُه لاحقًا على الإنترنت وحصد أكثر من خمسةٍ وثلاثين ألف مشاهدةٍ، كأن العالم بدأ يلتفتُ مبكرًا إلى صوتِ ذلك الطفلِ الذي يتعلّم كيف يحوّل الكلامَ إلى نبضٍ حيٍّ.
يستعيد مصطفى تلك اللحظاتِ لاحقًا بابتسامةٍ متأملةٍ ويقول: “كرهت فكرةَ الشعرِ في البدايةِ، لكنه أصبح الطريقةَ الوحيدةَ للتعبير عن نفسي”.
وبين التجربةِ الفرديةِ والذاكرةِ الجماعيةِ، بين الحيّ الصغيرِ والعالم الكبيرِ، بدأ يتشكّل الصوتُ الذي سيعرفه الناس لاحقًا باسم مصطفى ذا بوت (Mustafa the Poet)، أو كما يحبّ البعض أن يترجمَ اللقبَ “مصطفى الشاعر”.
تجربة الفقد
كان (ريجنت بارك) أكثر من مجرد حيٍّ. كان عالمًا كاملًا يختبر فيه الإنسان معنى الانتماءِ ومعنى الفقدِ في الوقت نفسه. فبقدر ما كان المكانُ غنيًّا بالروابطِ الاجتماعيةِ، كان يحمل أيضًا ظلالًا ثقيلةً من العنفِ والفقرِ وتجاربَ الخسارةِ المبكرةِ.
في سنواتِ المراهقةِ واجه مصطفى سلسلةً من الفجائعِ الصغيرةِ التي تترك آثارها العميقةَ في الروحِ.. فقد عددًا من أصدقائه المقربينَ، بينهم “علي” و”سانتانا” و”آنو”، كما فقد لاحقًا مغني الراب المعروف “سموك دوغ”، أحد أبناء الحيّ الذين لمعَ اسمُهم قبل أن تخطفهم المأساةُ. لم تمرَّ هذه الخساراتُ مرورًا عابرًا في حياةِ الشابِّ. تحوّلت إلى جروحٍ مفتوحةٍ، لكنها أيضًا صارت مادةً للغناءِ والكتابةِ. يقول مصطفى في تأملاته: “أحيانًا يجب أن نسمح للحزن أن يُعاشَ ويُشعر به.. أردت أن أبحث عن طريقةٍ يبقى فيها الذين فقدناهم حاضرينَ بكرامةٍ”.
ومن هنا بدأت ملامحُ صوته الفني تتبلور، موسيقى حيّة لا تخاف من الحزنِ، وشعر يحاول أن يمنح الغائبين حياةً أخرى.
(عصابة الحلال)
في بداياته الفنية انضمَّ مصطفى إلى مجموعةِ الراب المعروفةِ في تورونتو (عصابة الحلال) (Halal Gang)، وهي مجموعة هيب هوب كندية تأسست عام (2010) في قلب الحيِّ، وتتكوّن بشكلٍ أساسيٍّ من فنانين مسلمين من أصولٍ شرق إفريقية وكاريبية. هناك تعلّم الشابُّ كيف تتحوّل القصيدةُ إلى إيقاعٍ، وكيف يمكن للكلماتِ أن تسير مع نبضِ الشارعِ. وتواصلت رحلة شاب سوداني أسمر، عُرف بطبيعتهِ الهادئةِ وصوتهِ الخافتِ في الحديثِ، إضافةً إلى أسلوبه الصادق والمشحون بالعاطفةِ في الكتابةِ.
مع الوقت بدأت قصائده تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وتلفت انتباهَ الصحافةِ الثقافيةِ التي رأت في كتابته حساسيةً مختلفةً. لم يكن يغنّي عن الشهرةِ أو الثراءِ، بل عن الذاكرةِ والخسارةِ والصداقةِ.
ومع اتساع دائرةِ شهرته، دخل عالم كتابة الأغاني الاحترافية. كتب أعمالًا لنجوم عالميين مثل ذا ويكند، وشون منديس، وكاميلا كابيلو، وجاستن بيبر. لكن رغم ذلك، ظل يشعر أن هناك قصةً أكبر يريد أن يرويها بصوتهِ هو. يقول مصطفى: “الكتابةُ للآخرين جميلة.. لكنها لم تكن كافية. كنت أريد مساحةً أوسع لأروي قصتي الخاصة”.
