السودان بين معارك الميدان وضغوط الوقود: تحديات الحرب والاقتصاد في لحظة واحدة

تقرير - رشا رمزي

يمر السودان بمرحلة شديدة التعقيد تتداخل فيها التطورات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية، في وقت تحاول فيه الحكومة احتواء تداعيات الحرب الداخلية والتوترات الإقليمية التي تهدد إمدادات الطاقة. وبينما تستمر العمليات العسكرية في عدد من الولايات، يبرز ملف الوقود كأحد أبرز التحديات التي تواجه الدولة في إدارة المرحلة الحالية.

وفي هذا السياق، عقد رئيس الوزراء كامل إدريس اجتماعين خلال اليومين الماضيين لمراجعة وضع السلع الاستراتيجية، في ظل القلق المتزايد من تأثير التوترات الإقليمية، خصوصاً في منطقة الخليج، وإغلاق مضيق هرمز جزئياً على حركة إمدادات النفط العالمية. وتشير التقديرات الحكومية إلى أن السودان، الذي يعتمد بشكل كبير على واردات الوقود، قد يتأثر سريعاً بأي اضطراب في هذا الممر البحري الحيوي.

وبحسب إفادات وزير الطاقة المعتصم إبراهيم أمام مجلس الوزراء، فإن مخزون المواد البترولية المتاح في البلاد يكفي حتى نهاية أبريل المقبل، مشيراً إلى أن الوزارة توصلت إلى تفاهمات مع شركات من القطاع الخاص لضمان استمرار الإمدادات. غير أن هذه التطمينات الرسمية تقابلها انتقادات من بعض الخبراء، الذين يرون أن الخلافات بين الوزارة وشركات الاستيراد الخاصة أسهمت بالفعل في ظهور نقص في البنزين والجازولين وغاز الطهي في بعض المناطق.

طلمبات الوقود في السودان

وتشير معطيات القطاع إلى أن عدداً من الشركات الكبرى لم يستورد الوقود منذ أكثر من شهرين، في حين تمتلك إحداها نحو 400 محطة وقود ظلت خالية من الإمدادات بعد عدم حصولها على إذن استيراد. ويأتي ذلك رغم صدور قرار مجلس الوزراء رقم 170 لسنة 2025 الذي ينص على تحرير استيراد المنتجات النفطية. في المقابل، تمنح الوزارة حق الاستيراد حالياً لأربع شركات حكومية فقط، رغم أن قدراتها المالية أقل من قدرات أكثر من ثلاثين شركة خاصة تمتلك مستودعات ومحطات توزيع واسعة.

ويرى مراقبون أن نظام «المجموعات» الذي تعتمده الوزارة حالياً في منح تصاديق الاستيراد لشركات صغيرة لا تمتلك بنية تخزينية كافية، ساهم في تعقيد المشهد، خاصة مع توقف القطاع الخاص عن الاستيراد منذ يناير 2026. وفي ظل الحرب المستمرة، يصبح توفير الوقود مسألة استراتيجية لا تقتصر على تلبية احتياجات المواطنين، بل تمتد إلى دعم العمليات العسكرية وتحريك الاقتصاد في آن واحد.

تتزامن هذه التحديات الاقتصادية مع تطورات ميدانية متسارعة في عدد من جبهات القتال. ففي ولاية شمال كردفان، أفادت مصادر ميدانية بأن مجموعة من عناصر قوات الدعم السريع سلمت نفسها للجيش السوداني في محور بارا بعد سيطرة القوات المسلحة على المدينة، التي كانت تحت سيطرة الدعم السريع منذ أكتوبر 2025. ويُنظر إلى بارا باعتبارها موقعاً استراتيجياً مهماً في الإقليم، ما يجعل استعادتها خطوة ذات دلالات عسكرية في معارك كردفان.

البحر الاحمر

وفي موازاة ذلك، أعلن عضو مجلس السيادة ياسر العطا أن القوات المسلحة تعتزم تنفيذ ترتيبات لدمج المجموعات المساندة لها داخل المنظومة العسكرية الرسمية. وتهدف الخطة إلى تنظيم أوضاع هذه القوات التي شاركت في القتال منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، بما يشمل آليات الدمج والتسريح وفق معايير محددة.

وأوضح العطا أن المقاتلين الذين يستوفون شروط الانضمام إلى الجيش سيتم استيعابهم في القوات المسلحة، بينما يمكن للبعض الانضمام إلى الشرطة أو الأجهزة الأمنية الأخرى. أما الذين لا يرغبون في الاندماج داخل المؤسسات النظامية، فستُتاح لهم برامج تدريب مهني لإعادة دمجهم في الحياة المدنية.

وفي خطوة مرتبطة بتنظيم المشاركة العسكرية، اعتمد قائد الجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان قراراً يقضي باحتساب فترة مشاركة المستنفرين في العمليات ضمن مدة الخدمة الوطنية القانونية. ويهدف القرار إلى تسوية أوضاع آلاف المشاركين في عمليات الاستنفار الشعبي الذين دعموا الوحدات العسكرية خلال الفترة الماضية.

مقاتلات في القواعد الامريكية في المنطقة

تعكس هذه التطورات صورة بلد يحاول إدارة معركتين في آن واحد: معركة ميدانية لاستعادة السيطرة على الأراضي، ومعركة اقتصادية لضمان استمرار الخدمات الأساسية وفي مقدمتها الطاقة. وبينما تسعى الحكومة إلى طمأنة المواطنين بشأن توفر الوقود، تبقى التحديات المرتبطة بالبنية التحتية المتضررة، والاعتماد الكبير على الواردات، والتوترات الإقليمية عوامل قد تُبقي سوق الطاقة في حالة هشاشة.

في ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو مستقبل الاستقرار الاقتصادي في السودان مرتبطاً بقدرة الدولة على إصلاح منظومة الإمداد، وفتح المجال أمام القطاع الخاص، وتأمين خطوط الاستيراد في بيئة إقليمية مضطربة. أما على الأرض، فإن مسار الحرب سيظل عاملاً حاسماً في تحديد شكل المرحلة المقبلة، سواء من حيث إعادة بناء المؤسسات أو إعادة تشكيل موازين القوى داخل البلاد.

Exit mobile version