مؤانسة رمضانية

فيصل محمد صالح 

حمزة الملك طمبل .. رائد النقد والسودانوية

يستحق الشاعر والكاتب السوداني حمزة الملك طمبل اهتماما أكبر من جمهرة الكتاب والمفكرين والمثقفين السودانيين، فهو بحق رائد النقد الأدبي في السودان وهو صاحب الدعوات الأولى لسودنة الادب، بجانب شعره الذي أجده، وهذا قياس شخصي، أقل قامة من مساهماته الأدبية والفكرية والنقدية.

حمزة الملك طمبل سليل أسرة ارستقراطية ملوكية في منطقة أرقو بشمال السودان، أجداده من الملوك، ولد في أسوان 1893لأم من كنوز مصر وأب سوداني ودرس بها، وكان من أساتذته عباس محمود العقاد، ثم عاد للسودان وعمل في السلك الإداري للحكومة، ثم استقال ولزم قصره المنيف في أرقو، وظل في حالة حراك بين أرقو واسوان وعلى اتصال بأستاذه العقاد مترددا على مجالسه، وتوفى عام 1960.

كتب طمبل الشعر والنقد ونشر بعض مقالاته في صحيفة “الحضارة” وفي بعض الصحف المصرية، وكان متأثرا بمدرسة الديوان الشعرية في مصر. له ديوان شعر سماه: «ديوان الطبيعة» – صدرت طبعته الأولى من القاهرة عام 1931، وأعاد نشره محمد إبراهيم الشوش – مع كتابه النقدي: «الأدب السوداني وما يجب أن يكون عليه» – المجلس القومي لرعاية الآداب والفنون) – بيروت 1972، ثم صدرت طبعة حديثة عن دار المصورات.

يعتبر حمزة الملك طمبل من أوائل من كتبوا النقد الادبي، وبالذات نقد الشعر، ونشر مقالات شرح فيها منهجه في النقد ودعوته للتجديد في الشعر ومفارقة القوالب القديمة، وشدد على أن المهم في الشعر المعاني وليس المباني.

انتقد الشعراء السودانيين لتمسكهم بالبناء التقليدي للقصيدة واستخدام الصور البلاغية.

أهم كتابات حمزة الملك طمبل هي مقالاته الشهيرة التي جمعها في كتاب “الادب السوداني وما يجب أن يكون عليه” والتي لخصها في عبارته الشهيرة “يا أدباء السودان…أصدقوا وكفى”.

وتضم المقالات، بحسب تلخيص للأستاذ تاج السر عثمان ” جزء عن الشعر عموما ، ثم الشعر السوداني بصفة خاصة ، ثم نقد لكتاب “شعراء السودان ” ، ثم مناقشة انتاج بعض الشعراء الشباب، ثم عن باقي فنون الأدب السوداني كالغناء والتمثيل والموسيقي.”

في الاجزاء التي كتبها عن الشعر عامة، والشعر في السودان خاصة ، تناول نقدا لكتاب “شعراء السودان” وثلاثة من شعرائه هم : علي أرباب ، وأحمد الرضى ، وأحمد محمد صالح.”

كان جوهر دعوة طمبل لأدباء السودان أن يبتعدوا عن تقليد مدارس الشعر العربي المختلفة، وأن يتوقفوا عن استلاف الصور والاخيلة الشعرية التي لا تشبه السودان وبيئته، ولاحظ تكرار ظهور أزهار وطيور وحيوانات، لا توجد في البيئة السودانية، في شعر هؤلاء الشعراء السودانيين.

كما دعا للتوسع في استخدام العبارات والمفردات العامية السودانية في الشعر. ولهذا يعتبرمن أوائل نقاد الأدب في السودان.

وقد سميته رائد السودانوية تجاوزا، أعلم ، بحسب دراسة لكمال الجزولي، أن أول من استخدم المصطلح هو السفير نور الدين ساتي في مقال له في مجلة الثقافة السودانية في السبعينات، ولكن من قام بتقعيد المصطلح والتنظير له هو البروف أحمد الطيب زين العابدين.

كانت هذه الدعوة والمقالات سابقة لنشر شعره الذي حاول من خلاله عكس آراءه النقدية إلا أن في نظر كثير من النقاد أن شعره لم يكن بمستوى تنظيره، وأن تطبيقه لمنهجه النقدي في شعره لم يكن بالقدر الذي بشر به في نقده. وبدت بعض قصائده أقرب للنماذج المدرسية، وظل شعره متأثرا بمدرسة الديوان المصرية خاصة في نزعته للرومانسية.

“رُبَّ لحنٍ سرى مع النَّسَماتِ ..قد جرتْ من رنينه عَبَراتي، وكلامٍ سمعتُه من حبيبٍ..سحرَ القلبَ منه بالنبراتِ، ربَّ «موسيقةٍ» سرتْ من جمادٍ..أنعشتْ مهجتي وأحيتْ مَواتي، هل تمشّتْ بها الحياةُ فجادت..بحياةٍ تسرّبتْ لحياتي؟، إنّ بعض الألحان والنغمات.

قد أرتني الأكوانَ مُتّسعات، ربّ صوتٍ سمعتُه من بعيدٍ..دلّني وقعُه على الحركات!، ومُغَنٍّ سمعتُه في «الفُنُغْرافِ»..تصوّرتُ ما له من صفات، قد تبيّنتُ أنّ للأصواتِ صلةً في الخفاء بالكائنات، كمعانٍ تلوح في البسماتِ..وكلامٍ يُقال بالنّظرات ، كم جنى سمعيَ الحديدُ لفكري صورًا صاغها من الأصوات! “

وفي قصيدته الأخرى “يأس قاتل” كاد أن يقول “يحلنا الحلا بلة” ومعروف في القصة أن حل بلة كان في الموت، وتلك قصة أخرى

“سئمتْ نفسيَ الحياةَ وملّتْ..وكذا الحُرُّ في زمانيَ يَسأمْ، لا أرى أينما أقلّب وجهي..غيرَ قيدٍ من النفاق تَحكَّم، ووجوهٍ سحقًا لها من وجوهٍ..ورؤوسٍ أحرى بها أن تُهشَّم، وأناسٍ ما بين غِرٍّ جهولٍ..وسفيهٍ على الكرام تهجَّم، وحُفاةٍ من الورى وجياعٍ.

ليس في النّاس من يرقّ ويرحم، إن شرّ الدّوابِ من لا يفهمْ.. والذي لا يرى الأصمَّ الأبكم، هو حالٌ أراده اللهُ للنّاسِ..لأمرٍ به المهيمنُ أعلم، لا رجاءٌ في من «تَفرنجَ» منّا..لا ولا في أخي القديم المعمَّم، طال تمثيلُنا الشقاءَ على الأَرْضِ..فحتّى متى الروايةُ تُختَم “.

ولعل الشعراء الذين جاءوا من بعده، ومنهم محمد المهدي المذوب، هم الأكثر تعبيرا عن هذا الاتجاه، سودنة الادب واستخدام صور وتعبيرات من البيئة السودانية، كما تجلى ذلك في قصيدته “سيرة”.

وقد بدأت في تقديم بعض نماذج المجذوب ثم قلت وهل يجوز أن يأتي سيدنا ومولانا المجذوب سيد الشعراء ووارث نار المجاذيب في ذيل مقال، حاشا وكلا..فلست بذلك العقوق، ولا أظنكم ترضون بذلك ولنفرد له مؤانسة خاصة.

وسبب آخر، لو فعلت ذلك لتململ أستاذي وشيخي السر قدور في قبره غضبا، فهو مسامري ودليلي لشعر المجذوب.

Exit mobile version