يوسف الحبّوب : القوّة الناعمة.. في ظلّ شجرة الشِّعر، لا بعيدًا عنها

الدوحة - مشاوير: مجدي علي

ينتمي يوسف الحبّوب إلى حقبةٍ بارزةٍ في مسار تطوّر الشِّعر السُّوداني الحديث، وقد برز صوته بقوّةٍ ضمن شعراء قصيدة النثر التي اتّسع حضورها في تسعينيّات القرن الماضي، حين راهن على لغةٍ حرّةٍ وتجربةٍ شعريّةٍ تنحو نحو مزيدٍ من التّجريب والتأمّل، بعيدًا عن الأقوال التّقليديّة وبُنى العمود والتفعيلة المعتادة في الشِّعر العربي.

ويُعدّ الحبّوب من جيل الشُّعراء السُّودانيّين الذين راهنوا على تفكيك البلاغة التّقليديّة واستبدال الخطابيّة بصوتٍ داخليٍّ تأمّليٍّ، مع انحيازٍ واضحٍ للصورة المركّبة واللغة المواربة، ممّن جعلوا القصيدة فضاءً للسؤال أكثر من كونها مساحة يقين. ويُعرف بطبيعته الهادئة وحضوره الشِّعري الصادق؛ إذ يرى أن قصيدة النثر ليست مجرّد تحرّرٍ شكليٍّ، بل رؤيةٌ فلسفيّةٌ تعكس موقف الشاعر من الحياة والعالم.

وُلد الحبّوب في أم درمان عام 1959، وتلقّى تعليمه في السُّودان ومصر، حيث تخرّج في كليّة الحقوق، واشتغل بمهنة المحاماة التي تركت أثرًا واضحًا في رؤيته الإنسانيّة والثقافيّة، وجعلته يعيش بين السُّودان وسلطنة عُمان، حيث مارس عمله القانوني وعايش احتكاكاتٍ ثقافيّةً واسعةً أسهمت في توسيع أفقه الثقافي والإنساني.

لكن المتتبّع لمسيرة الحبّوب يلحظ بوضوحٍ أنّه من الشُّعراء الزاهدين في النشر، ممّن يتعاملون مع الشِّعر بوصفه لحظةً إبداعيّةً لا تُستدعى قسرًا. وفي وصفه لتجربة الحبّوب يؤكّد الشاعر أمجد محمد سعيد أن يوسف “ظلّ شاعرًا يتعامل مع الشِّعر تعاملًا آنِيًّا، وقد أقول مزاجيًّا، ينتظر القصيدة إلى أن تأتيه.. وقد تأتيه ولا تجده في البيت، وقد تأتيه وتجده ولكنّها تجده قد أضاع قلمه في مكانٍ ما”. ويرى أن هذا النمط من العلاقة مع القصيدة هو ما جعل الحبّوب بعيدًا عن النشر، راضيًا أن يكون في ظلّ شجرة الشِّعر، لا بعيدًا عنها.

ومع ذلك ظلّ الحبّوب يكتب قصيدته بانفتاحٍ واضحٍ على الحداثة وقصيدة النثر منذ وقتٍ مبكّرٍ، فجاءت نصوصه في الغالب قصيرةً ومكثّفةً، تتّسم بإحالاتها المواربة وبلغةٍ تعتمد الظلال والإيحاء أكثر من التّصريح المباشر. ويشير الحبّوب إلى أن قصيدة النثر ليست منفصلةً عن التّراث الشِّعري العربي، بل امتدادٌ له في سياق احتواء الفكرة واللغة.

جانب من أعماله

دواوين بارزة

عن (دار صفصافة للنشر) بالقاهرة صدر للحبّوب ديوانه الأوّل (محاولة لتسلّق ظلّ الوردة) عام 2016، وهو العمل الذي قدّم الحبّوب على نطاقٍ واسعٍ للجمهور الشِّعري. وقد تُرجمت نصوص الديوان إلى لغاتٍ عالميّةٍ منها الفرنسيّة والإسبانيّة، ووصلت إلى مهرجاناتٍ شعريّةٍ في باريس وكوستاريكا وسواهما.

يحمل عنوان الديوان مفارقةً دلاليّةً عميقةً؛ فـ”تسلّق الظلّ” محاولةٌ للإمساك بما لا يُلمس، في إشارةٍ إلى جمالٍ هشٍّ، بينما الظلّ هو الذاكرة وأثرها في الوعي، ليصبح الغياب حضورًا والصمت صوتًا. ويتميّز الديوان بالصور المركّبة والإزاحة الدلاليّة، واللغة المقتصدة التي تتجنّب الزخرفة اللفظيّة، إلى جانب حضور الفراغ والصمت كعناصر بنائيّة، مع نزوعٍ وجوديٍّ يتأمّل الوحدة والاغتراب.

وفي شهادته حول الديوان يقول القاصّ والشاعر يحيى فضل الله: “ما بين الوردة وظلّها وفكرة التسلّق، على الشاعر أن يقاوم النعاس والوظيفة، وأن ينفض ملاءة صحوه ويجذب غطاء اليقظة. كيف خطر لشاعرٍ أن يتسلّق ظلّ وردة؟ ويا لها من فكرة.. فكرة تدفع بالشاعر كي يرجّ زجاجة روحه ليجد الوقت لتحرير قيد الغربة، ويتحوّل فعلٌ بسيطٌ وخافتٌ كتسلّق ظلّ وردة إلى مأزقٍ وجوديٍّ”.

كما يضيف الشاعر عبد القادر الكتيابي في وصف الديوان: “في رأيي أنّه قد أصاب الطريق والطريقة إلى عافية الكتابة الحرّة الناجعة المؤدّية إلى عافية النفس وطلاقة الروح. يشهد على ذلك ما بين دفّتي هذا الديوان من لفائف كيمياء المشاعر المشتعلة المتشابكة من نصٍّ إلى نصٍّ، أحزانًا وأفراحًا، هدوءًا وفورةً، وأشواك الثورة مخبّأة رؤوسها الحادّة في قطن مفرداته الناعمة”.

أمّا الديوان الثاني الصادر عام 2024 فهو (فزّاعة تلوح في ظهيرة يوم بطيء)، حيث تتّخذ الفزّاعة – وهي كائنٌ واقعيٌّ في الحقول – بعدًا رمزيًّا لتصبح صورةً للإنسان في مواجهة العزلة والخراب والبطء الثقيل للوجود. في هذا الديوان تحتفي اللغة بالزمن البطيء عبر الجمل القصيرة والإيقاع الداخلي المتقطّع. ومن ثيماته البارزة الانتظار بوصفه حالةً وجوديّةً، إلى جانب حضور الفراغ والهامش والاستعارة الرمزيّة التي تفتح النصّ على قراءاتٍ متعدّدة.

ومؤخّرًا، في نهاية العام 2025، أصدر الحبّوب مجموعته الشِّعريّة (35 مليمتراً) عن (دار صفصافة بالقاهرة)، مقدّمًا تجربةً مختلفةً لقصيدة النثر، حيث يربط بين القراءة البصريّة والوعي القلبي، معتمدًا على حسّه السّينمائي في بناء الصور وترتيب النصوص.

وتتميّز نصوص المجموعة بالاهتمام بالتفاصيل اليوميّة وتحويلها إلى لحظاتٍ ذات قيمةٍ جماليّةٍ، مع إيقاعٍ داخليٍّ متناسقٍ وتماسكٍ في الصور والتراكيب. كما تجمع بين الحميميّة الشخصيّة والأسئلة الوجوديّة لتجعل العادي يكتسب بعدًا شعريًّا جديدًا.

جانب من أعماله

الأسلوبيّة والفلسفة والتجربة

تتميّز تجربة الحبّوب الفنّيّة بعدّة سماتٍ متكاملةٍ، أبرزها أن قصيدة النثر تمثّل خياره الجمالي والفلسفي؛ فهو لا ينظر إليها بوصفها مجرّد تحوّلٍ شكليٍّ، بل بوصفها رؤيةً للعالم تتساوى فيها الأشياء اليوميّة والهامشيّة مع الرموز الكبرى.
وللحبّوب فلسفته الخاصّة في رؤيته للشِّعر، إذ يرى أنّ “الشِّعر وسيلةٌ لصياغة العالم، ومنح الوجود جمالًا وموقفًا وانحيازًا. إنّه يوازي سؤال جدوى الحياة نفسها، ويمنح الإنسان القدرة على التعبير عن الذات والتجربة الإنسانيّة ومشاركة العالم رؤيته بأسلوبٍ فنّيٍّ يمتدّ بالوجود والموقف وليس بالبلاغة الفارغة”.

ومن السمات البارزة في تجربته الاقتصاد اللغوي؛ إذ تقوم نصوصه غالبًا على الجملة القصيرة والإيقاع الخافت ومفاجأة الدهشة البنيويّة. وتتكرّر في نصوصه رموز مثل الظلّ، الفزّاعة، الفراغ، والانتظار، وهي مفرداتٌ تحيل إلى حالةٍ وجوديّةٍ من القلق والبحث.

والحبّوب يقاوم المباشرة؛ فهو لا يصرّح غالبًا بل يلمّح، ويترك فراغًا تأويليًّا للقارئ، ما يجعل النصّ مفتوحًا على قراءاتٍ متعدّدة. كما عبّر في إحدى مقابلاته قائلًا: “كي لا تضيع الأشياء، وتبقى ملامحها عندي واضحةً تقودني وأقودها، ومن خلالها تنضج ثمرة حرّيّة الكلام وتلوين الفضاء الإبداعي بريشةٍ متقنةٍ وبألوانٍ زاهيةٍ”.

وهكذا يمكن النظر إلى أسلوب الحبّوب بوصفه تجسيدًا لما يمكن تسميته “القوّة الناعمة” في الكتابة الشِّعريّة؛ فقصيدته تحتفظ بطاقة كامنة في اللغة والأشياء والعلاقات والطبيعة، مع قدرة على الوصول إلى القارئ بالشفافيّة والرهافة والصلابة معًا، بحيث تبدو القصيدة وشاعرها وجهين لعملة واحدة.

ورغم قلّة إنتاجه الشِّعري مقارنةً ببعض المعاصرين، فإن هذا الزهد لا يُفسَّر على أنّه نقصٌ في الموهبة، بل اختيارٌ واعٍ يكرّس الجودة والتجويد على الكمّيّة. يؤكّد الحبّوب أنّه يكتب مئات الأفكار يوميًّا لكنّه لا يحوّلها كلّها إلى نصوصٍ منشورةٍ، ويصرّح بأنّه “شاعرٌ مقلٌّ”، معتبرًا أن قصيدة النثر تجربةٌ ترتبط بالزمن والمزاج الإبداعي للشاعر.

في المحصّلة، يمكن الجزم من خلال هذه الإضاءات بأن يوسف الحبّوب قد حجز موقعه في المشهد الأدبي السُّوداني بوصفه صوتًا شعريًّا هادئًا أسهم في ترسيخ حضور قصيدة النثر في التجربة الحديثة، جامعًا بين حساسيّة الصورة والانفتاح الحداثي والعمق الوجودي. إنّه شاعرٌ يترك نصّه كسؤالٍ مفتوحٍ في وعي القارئ، وكأنّ القصيدة مرآةٌ للحياة المعاصرة وتحدّياتها النفسيّة والثقافيّة.

جانب من أعماله
Exit mobile version