مؤانسة رمضانية (19)

فيصل محمد صالح

مسامرة مع المجذوب

قلت في حديث الأمس عن حمزة الملك طمبل إنه كان من رواد النقد الادبي في السودان، إن لم يكن رائده الأول، وهو أول من دعا لسودنة الأدب السوداني في مقولته الشهيرة “يا أدباء السودان..أصدقوا وكفى” والتي دعا من خلالها لأن يلتصق أدباء السودان ببيئة بلادهم، أرضها وسماءها، طيورها وأزهارها وحيواناتها وحتى عاميتها المفصحة.
وكما قلنا من قبل، إن كان لطمبل حق السبق في هذه الدعوة إلا أن من ترجمها شعريا هو محمد المهدي المحذوب بلا ادعاءات أو تنظير، لو وجدت ورقة طائرة من أحد دواوين المجذوب في أي مكان ، القاهرة أو دمشق أو الرباط، لعرفت أنها لشاعر سوداني، لا بد من كلمة، إشارة، صورة تشي بذلك.

“البُنيَّاتُ في ضرام الدلاليك تسترن فتنةً وانبهارا، من عيون تلفَّتَ الكحلُ فيهنّ وأصغى هُنيهةً ثمّ طارا، نحن جئنا إليك يا أمّها الليلة بالزين والعديل المنُقّى، نحن جئناك حاملين جريد النخل فألا على اخضرار ورزقا، العذارى ألوانهن الرقيقات نبات الظلال شفَّ وحارا، رأمته الخدور ينتظرُ الموسم حتى يشع نورا ونارا”.

قصيدة سيرة” هذه تصلح وحدها نموذجا على سودانوية شعره، في كل القصيدة وفي كل فقرة منها.

ولد محمد المهدي المجذوب في العام 1919م ، نشأ في بيت آل المجذوب بالدامر المعروف بالصلاح والتقوى والعلم.

بدأ تعلم القراءة والكتابة وعمره حوالي الثلاث سنوات، حفظ القرآن وكان موهوبا في الرسم مولعا بكتابة وعمل الشرافة (ألواح القرآن). التحق بكلية غردون التذكارية وتخرج محاسبا بها، وهي الوظيفة التي قضى فيها كل عمره.

بدأ كتابة الشعر وعمره 13 عاما، ومن العجائب أنه نشر ديوانه الأول وعمره 50 عاما (1969). صدرت له الدواوين الشعرية التالية: الشرافة والهجرة، نار المجاذيب، البشارة – الخروج – القربان، القسوة في الحليب، أصوات ودخان، منابر، شحاذ في الخرطوم، وتوفى عام 1982.

كان متمردا رغم أنه سليل أسرة دينية كبيرة، حاول دراسة الفنون فعارضه والده وأحرق لوحاته وبعض شعره، لكنه مضى في طريقه، لكنه أيضا كان كثير التشكي في شعره من ما يواجهه في الحياة من متاعب ومن إحساسه بأنه لم يلق التقدير الذي يستحقه. وهو يظهر تمرده بأوجه متعددة، كما في قصيدته “انطلاق” والتي قال إن والده كان يسميها “انطلاقة”.

“فليتِي في الزنوج ولـي ربـابٌ..تميـلُ به خطاي وتستقيــمُ، أُجشِّمه فيجفلُ وهـــو يشكـو..كما يشكو من الحُمَةِ السليـم، وفي حِقْـوَيَّ من خـرزٍ حـزامٌ..وفي صَدُغَيّ من وَدَعٍ نظيـم، وأجتـرع المريسةَ فـي الحواني..وأهْــذِرُ لا أُلام ولا ألــوم، طليـقٌ لا تقيـّدني قريـــشٌ..بأحساب الكــرام ولا تميـم، وأُصرعُ في الطريق وفي عيوني..ضبابُ السُّكْرِ والطّربِ الغَشوم”.

هذه التمردات هنا وهناك لم تخف الجذر الصوفي القوي عند المجذوب، سواء اعترف به أم لا، فأسماء مجموعاته الشعرية هي “نار المجاذيب” و”الشرافة والهجرة”، وهو من خلد احتفالات المولد النبوي الشريف بقصيدة ملحمية لا تزال تشكل المرجعية الشعرية الاولى لهذه المناسبة.

“وهنا حلقة شيخ يرجحن، يضرب النوبة ضربا فتئن، وترن، ثم ترفضّ هديراً أو تجن، وحواليها طبول صارخات في الغبار، حولها الحلقة ماجت في مدار، نقزت ملء الليالي، تحت رايات طوال، كسفين ذي سوار، في عباب كالجبال***وتدانت أنفس القوم عناقاً واصطفاقاً، وتساقوا نشوة طابت مذاقاً، ومكان الأرجل الولهى طيور،في الجلابيب تثور.. وتدور، تتهاوى في شراك، ثم تستنفر جرحي وتلوب.

في الشباك، مثلما شب لهيب”
أو تراه في حفلة عرس يصف رقص الفتيات السودانيات..
“وتهادى الحَمامُ في دارةِ العُرسِ ورجعُ الغناءِ بَاحَ ورنّا، ونفى عنّيَ القيودَ بما يُرقِصُ دُفّاً على اصطفاقٍ ووَنّا، وابتراقُ النضارِ في الشَّعَرِ المضفورِ برقُ الخريفِ شال وضَنَّا، مَزَجَ البِشْرَ بالحياءِ فما استرفد يوماً بسِحرهِ أو تدنَّى، قطرةٌ شمسُها تَشمّرُ للإحسان صانتْ وِدادنا حين صُنَّا، طهّرتْنا السياطُ والدمُ قُرْبَانٌ ولم نبْغِ أجرَهُ حين دِنّا،..فاروِ يا ليلُ عن خرائدنا الطُّهْرَ وخُذْ عفّةَ الكواكبِ عنّا، إن شربنا فما غَفلْنا مَعَ السُّكْرِ، خَشَعْنا في ناره وابتهلنا، حسبُك الرقصُ كالعبير الذي أحيا وحيّا مُشاهديه وهَنّا، وتَولّتْ «تاجوجُ» كِبراً مع الأسرارِ عصماءَ والمحَلّقُ جُنّا”
وهو من غنى لبائعة الكسرة، ومن غيره يفعل ذلك فهو كان عامر الحس بالبسطاء والمساكين.

“يا بائعةُ الكسرةِ، أهواكْ، ألقاكْ، الشاشُ الأبيضُ بين يديكِ غمام، نامتْ لفائفُك الغنّاء يا سمراء ..،أشتمُ سماحتك الخضراء، وترحاب رضا جمالك، لا غيرة من أترابك، الايثارُ الغادي رزقُ اللهِ تقسّم في أصحابك، كدحٌ شاكرْ، أهواكِ..أصابعُ صبركِ ، والعملُ الموصولُ الجيّد لبّ نقائك، ورزانتك الشّماء، الفقر تجمّل سِمةٌ من كبرٍ وحنانْ..بصّرني معناك”.

الأمثلة كثيرة متعددة..لا حصر لها، حسبنا هنا بعض إشارات لهذا المبدع السوداني العظيم.

Exit mobile version