من يقود هذه الحرب، وإلى أين؟ (1)

الجميل الفاضل 

ما سرّ هذه الحرب الغريبة الأطوار، الصعبة المراس؟

هناك، خلف الدخان والدم والتصريحات المتناقضة، ثمة ساحة أخرى، لا تراها العيون، ولا ترصدها الرادارات؛

ساحة مضمارها، أو قل، مجالها الحيوي: “عالم الغيب”.

حيث تتقاطع اليوم ثلاثة نيران كونية هائلة، أماط اللثام عنها مدير المخابرات السعودية السابق، الأمير تركي الفيصل، قائلاً هناك:

النار الأولى: نار «إسرائيل الكبرى» من النيل إلى الفرات، أوقدها وعد توراتي قديم، تحول إلى سيف مسلّط، يظن أصحابه أنهم قادرون على تحقيق وعد السماء بالقوة الأرضية.

النار الثانية: هي نار عودة “الإمام الغائب”، الذي يظن أتباعه أن الدمار والفوضى هما الطريق إلى “ملء الأرض عدلاً”، فيسعون إلى تسريع ظهوره بالصواريخ والألغام.

النار الثالثة: هي نار “الصهيونية المسيحية”، التي ترى في كل قنبلة تُلقى على طهران خطوة نحو هرمجدون، ونحو عودة المسيح.

ثلاثة أطراف، كلٌّ منها يصرخ: «أنا أساعد الله، أنا أعين الله».

ثلاثة أوهام كبرى، نزلت من العقول على الأرض، لتتصادم بطائراتها ومسيراتها في السماء كالبروق.

يحدث كل هذا الموت والدمار بزعم أنه في سبيل الله، رغم أن الله غنيّ عنهم جميعًا، لا يحتاج إلى جيوشهم، ولا إلى تحالفاتهم، ولا إلى “محور مقاومة”، ولا إلى “لوبي صهيوني”، ولا إلى “ناجي عبدالله”.

لذا أتصور أن هذه الحرب حرب تأديبية في المقام الأول، جاءت كعقاب جماعي لكل من أساء الأدب مع الله؛ سواء بتوهمه أنه قادر على التصرف نيابةً عنه في الكون، أو بمظنه أن الخالق بحاجة إلى يد عون، أيّاً كان كائنها، لتحقيق وعوده الكبرى المزعومة، أو ليسرع عجلة إنجازها على الأقل.

على أية حال، في ظني، إنها حرب غايتها تنبيه كل من نسوا أن الله ليس فقيرًا لهم، وكل من تجاوزوا حقيقة أنهم هم الفقراء إلى الله، ومن غفلوا عن حقيقة أن الله غني عنهم جميعًا وعن كافة العالمين، وأنه سبحانه وتعالى إذا أراد شيئًا، سيقول له: “كن”، فيكون، لا أكثر ولا أقل، دون حاجة لوسيط أو معين أو وكيل؛ لا من سدنة “الإسلام السياسي” من شيعة وسنة، ولا من مهاويس “الصهيونية المسيحية”، ولا من حراس النبوءات “التوراتية والتلمودية” القديمة.

هو الله الذي قال للنار: “كُونِي بردًا وسلامًا على إبراهيم”، وهو الذي قال للبحر: “انطبق على فرعون وقومه”، فخرقا عاداتهما وأطاعا كليهما، النار والبحر، أمره سبحانه وتعالى.

تذكر إذًا يوم حنين، عندما كان قوم أمثالهم يقولون: «لن نُغلب اليوم من قلة!» فجاء الرد الإلهي مباشرة:

﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾

اليوم تتكرر السنة نفسها، بصواريخ وطائرات بدون طيار.

كل طرف يرى الآخر “قليلاً” في عينيه، فيندفع مغترًّا لينال من عدوه.

ثم يتدخل القدر: يُغلق مضيقًا، يُدمّر أسطولًا، يُنقل سلطةً في لحظات من أب قتيل إلى ابنه الجريح، يُربك أوروبا الحائرة، ويُذهل روسيا والصين المتربصتين.

لتضيق الأرض أمام العالم الفسيح بما رحبت.

هل هو «دهاء التاريخ» كما قال هيغل؟ أم هو دهاء القدر الإلهي، الذي يُزيح الأنقاض، ويُعرّي الغرور، ويُمحّص القلوب؟

الناس يركضون وراء أهداف متحركة، يقولون: “دمرنا بحريتهم، لم تتبقَ لنا أهداف داخل أرضهم، الحرب ستنتهي قريبًا”.

 وغيرهم يقول: “سنستنزفهم، سنطيل أمد الحرب، سنُسرّع ظهور ‘الإمام الغائب'”، وآخرون يقولون: “بل ‘المسيح'”.

المهم أن القدر لا يُنهي حربًا أطلقها إلا حين يكتمل درسها، وتبدأ بعض القلوب في إدراك حقائق ما وراءها: إدراك أن الله غنيّ عنا، وأننا لا نملك أن نعينه أو نساعده على تسريع شيء أو إبطائه، وأنه ليس فقيرًا لنا، بل نحن الفقراء إليه.

وبالتالي، فإن النصر الحقيقي ليس في التمدد من النيل إلى الفرات، ولا في ملحمة أو هرمجدون يعمل الناس على قدم وساق للسبق بها، ولتسريع وتيرتها.

يقول الشيخ الشعراوي: “لا أحد يسبق إرادة الله أو مشيئته في هذا الكون”، ويطمئن كل فرد بقوله: “لا تقلق من تدابير البشر، فإن أقصى ما يستطيعون فعله معك هو تنفيذ إرادة الله فيك”.

Exit mobile version