الجماعة فرع السودان كمنظمة إرهابية (دواعي التصنيف والتداعيات)
د. أحمد عثمان عمر
صنفت وزارة الخارجية الأمريكية جماعة الإخوان المسلمين فرع السودان كمنظمة إرهابية مؤخراً، وتباينت ردود الأفعال على هذا التصنيف بين احتفاء مبالغ فيه يصور التصنيف كمعالجة شاملة لأزمة السودان السياسية بل وقصاصا لدماء الشهداء، وبين احتجاج خجول من معسكر الجماعة وتابعيه، وإنكار مخزي للعلاقة بالجماعة من عتاة متطرفيها وعلى رأسهم الأمين العام الأسبق لتنظيمها الواجهة الذي حكم السودان لسنوات كالحة، والذي اشتهر بتحدي الشعب وبذاءة اللسان وتعذيب وقتل المعارضين السياسيين.
وفي تقديرنا أن ردود الفعل الصادرة جميعها، تعاملت مع القرار وكأنه حكم قضائي نهائي وبات قابل للتنفيذ، لا قرار سياسي خاضع لإعادة النظر وإعادة التقييم، أملته ظروف محددة من الممكن أن يزول بزوالها. فهو يأتي في سياق رفض الجماعة الانخراط في مشروع الرباعية الدولية التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية، وفشل واجهتها من الجنرالات في حكومة الأمر الواقع غير الشرعية في الانفكاك نسبيا من قبضتها للوفاء بمتطلبات الهدنة الإنسانية وإيقاف الحرب اللعينة الماثلة في البلاد، وخطاب التطرف المعادي للولايات المتحدة الأمريكية والداعم لعدوها في حربها الراهنة في الشرق الأوسط. وهو قرار سياسي محض، يهدف إلى الضغط على الجماعة وقياداتها المسيطرة على سلطة الأمر الواقع غير الشرعية، وإرغامها على الخضوع لإرادة المجتمع الدولي، وتخييرها بين الموت سريرياً من ناحية سياسية، وبين الاستسلام وترك المناورة والتحدي.
(٢)
وعلى عكس ما يظن البعض من أن الخطوة الثانية بعد هذه هي التدخل العسكري الأمريكي لإسقاط سلطة الأمر الواقع غير الشرعية، التصنيف يهدف لوضع ضغط سياسي ودبلوماسي واقتصادي على هذه السلطة لا للدخول معها في صراع عسكري مباشر. فتصنيف هذه الجماعة المسيطرة على السلطة والمختطفة للجيش كمنظمة إرهابية، يعني رفع غطاء أي دعم سياسي لها من دول الجوار، وتحريم التعامل السياسي معها من الدول الداعمة لها سياسيا في المنطقة. ويترتب على ذلك مزيدا من العزل لسلطة الجنرالات الانقلابية التي تمثلها، ووقف الدعم العسكري لحربها، وتجفيف مصادر الدعم المالي والاقتصادي، وقطع الطريق أمامها للحصول على الدعم من جميع الدول ذات العلاقات الطيبة مع الولايات المتحدة الامريكية. كذلك يمهد القرار لإمكانية ملاحقة قيادتها ومسؤوليها كإرهابيين، وتوقيع عقوبات فردية عليهم، واعتبار سلطة الأمر الواقع غير الشرعية دولة راعية للإرهاب واتخاذ ما يلزم في مواجهتها مثلما ما حدث لدولة الجماعة في السابق. وهذا بلا شك يضيق على هذه السلطة الانقلابية، ويضع على عاتقها أعباء مهولة، ويجبرها على تقديم تنازلات مؤلمة، لكنه لن يقود إلى حرب ساخنة معها، لأن الغرض هو وضعها حيثما تريدها الولايات المتحدة الأميركية وإجبارها على تنفيذ ما هو مطلوب منها لا إسقاطها. وتجربة توظيف أمر القبض الصحيح قانوناً وقضاءا الصادر من محكمة الجنايات الدولية ضد المخلوع سياسياً، تبين كيف ترفع الجماعة سقوف التحدي إعلامياً، وكيف تستجيب للضغوط في الممارسة العملية.
(٣)
والواضح هو ان الجماعة فضلت عدم المواجهة والمناورة السياسية. فبيان خارجية سلطتها غير الشرعية لم ينكر أنها منظمة إرهابية ولم يتحدى التصنيف، واكتفى بالمطالبة بتصنيف مليشيا الجنجويد منظمة إرهابية أيضا، على طريقة “أنا والكاشف أخوي”. وبيان المجرم الهارب الأمين العام لحزبها الواجهة “المؤتمر الوطني”، اكتفى بالنفي أن يكون حزبه والجماعة شئ واحد، وحاول في ضعف لا يليق بزعيم تعود على التحدي والشتم والقمع وبذاءة اللسان، أن ينأى بتنظيمه الواجهة عن الجماعة وكأنها بعير أجرب – وهي كذلك، مطالبا القوى السياسية التي لم تعرف منه سوى الإساءة والتحقير والقمع والتعذيب، بالحوار ومحاسبة الحزب بسياساته والحركة أو الجماعة – سمها ما شئت- في فصل متعسف بين الفكر والسياسة لا يقود إلا إلى الانتهازية المزمنة التي اتسمت بها الحركة. ويبدو أن الحركة أو الجماعة أو الحزب الواجهة أو الجنرالات الانقلابيين التابعين لها، قد تنبهوا إلى أن كلفة المواجهة عالية جداً، وإلى أن الصدام والتحدي، يساوي انتحارا سياسيا كاملاً، لكنهم توهموا أيضا أن القرار ليس هو النهاية لمشوارهم السياسي البائس، إن اختاروا التهدئة وفك الارتباط مع إرث الحركة أو الجماعة، لا فك الارتباط مع الحركة او الجماعة نفسها. لذلك من الراجح أن نشهد عروض هزلية مثل إنكار سلطة الأمر الواقع غير الشرعية لعلاقتها بالجماعة أو الحركة بصورة كاريكاتورية كعادتها، وإنكار المؤتمر الوطني أيضا لهذه العلاقة، ومحاولة بناء تنظيمات واجهة جديدة بمسميات جديدة، متناسين أن كل هذا لن يخدع الأمريكان ولا القوى السياسية التي تعرف ألاعيب الحركة عن ظهر قلب. ما لن نشهده هو فك ارتباط حقيقي بين الجيش المختطف والجماعة، لأن الجماعة تسيطر على الجيش منذ أن قامت باختطافه بعد انقلابها في العام 1989م، كذلك لن نشهد حلا حقيقيا للجماعة أو الحركة المجرمة وأقصى ما سنشهده هو تواري قياداتها المعروفة وتقديم الصف الثاني والثالث لتصدر المشهد.
(٤)
أما من حيث أثر التصنيف على القوى السياسية الأخرى، فهو سيغلق الطريق أمام التيارات التسووية الطامعة في بناء شراكات دم جديدة، مالم تقم السلطة غير الشرعية بتقديم التنازلات المطلوبة منها دولياً. كذلك سيضع القوى المتحالفة مع سلطة الجماعة غير الشرعية مثل حركات محاصصة جوبا في مأزق كبير، يتطلب منها قرارا سريعا يمكنها من إعادة التموضع والخروج من دائرة التحالف مع منظمة إرهابية أو مع واجهاتها على الأقل. كذلك يضع المليشيات التي تقاتل مع الجنرالات الواجهة في أزمة كبيرة جداً، ويجعل دمج قوات هذه الحركات أو المليشيات في الجيش المختطف خضوعا كاملا لمنظمة إرهابية. وموقف التنظيمات السياسية المتحالفة مع السلطة الانقلابية حتما أسوأ. وأما مليشيا الجنجويد الإرهابية المحتفية بالتصنيف وهي ربيبة الجماعة التي تربت في حجرها وأفصحت عن إرهابها مبكرا، فلها أن تتمتع بهذا الأمر حتى يأتي دورها قريباً، وألا تظن أن عدم تصنيفها شهادة براءة لها، فكل الشواهد والأدلة تؤكد أنها إرهابية وأن دورها في التصنيف قادم لا محالة. فالجماعة والمليشيا معا، يرضعان من ثدي واحد هو العداء لشعبنا ويعملان معا على قمعه ونهبه وإرهابه.
والمطلوب فهم أن تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، يجعلها إحدى ثمانية وستين منظمة أخرى مصنفة لدى وزارة الخارجية الأميركية. وهو لا يقود حتما إلى صدام عسكري ساخن بين سلطة الانقلاب غير الشرعية الحاملة لمشروعها، مما يستلزم عدم توهم أن هناك من سيأتي من الخارج لإسقاط هذه السلطة بالقوة وتسليم السلطة للقوى المدنية لتبني دولة مدنية هي عاجزة عن إسقاط خصومها. وذلك لأن إسقاط السلطة الانقلابية غير الشرعية هو واجب جماهيري، يجب أن تنجزه الجماهير عبر جبهتها القاعدية المنظمة والمؤهلة لاستلام السلطة وبناء دولة مدنية انتقالية، تقود إلى ديمقراطية مستدامة.