فيروسات وبائية تهاجم السودانيات الحوامل في “غفلة” صحية
تقرير - مشاوير
تشهد ولاية الجزيرة جنوب الخرطوم وضعاً صحياً مقلقاً في ظل تزايد حدة الأمراض والأوبئة الفتاكة بخاصة التهاب الكبد الوبائي وفيروسات أخرى مسببة للحمى والحصبة وسط الأطفال، وكذلك رصد حالات اشتباه بالسعال الديكي، في وقت تنعدم الرعاية الصحية، مما ينذر بكارثة إنسانية وشيكة تتسع بصورة مخيفة باتجاه كل مدن ومناطق الولاية التي يتجاوز عدد سكانها 5 ملايين نسمة يمثلون 13 في المئة من سكان السودان.
ووفق الإحصاءات الرسمية أصبح التهاب الكبد الوبائي منتشراً بصورة كبيرة في محليات وقرى الإقليم، إذ أدى إلى وفاة 35 امرأة حامل خلال شهر واحد، وتجاوز عدد الإصابات المئات، في وقت أنهكت الحرب المراكز الصحية العلاجية وعطلت 90 في المئة من قدراتها.
تحذيرات وأخطار
من جهتها، حذرت منظمة الصحة العالمية من تفش حاد لفيروس التهاب الكبد E في ولاية الجزيرة، إذ سجلت 69.5 في المئة من الإصابات، و96 في المئة من الوفيات من بين 3826 حالة و52 وفاة تم الإبلاغ عنها بين يناير 2025 والشهر نفسه في العام 2026 في تسع ولايات سودانية.
بدورها، أشارت وزارة الصحة بولاية الجزيرة إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالتهاب الكبد الوبائي بخاصة وسط النساء الحوامل، داعية إلى تكثيف تدخلات الإصحاح البيئي لتوفير مياه شرب نظيفة”، ولفتت إلى أن “الكبد الوبائي بات يمثل هاجساً كبيراً لوزارة الصحة، مما يتطلب تعزيز الجهود للحد من انتشاره والتصدي له لتفادي تفاقمه”.
ودشنت الوزارة بالتعاون مع الجمعية السودانية لرعاية وتوطين زراعة الكبد حملة التوعية الوطنية لأمراض الكبد للحد من انتشار الأمراض التي تصيب الكبد عبر المسرح التوعوي والرسائل.
وضع كارثي
في السياق يقول المواطن السوداني عامر محمد جلال الذي يسكن منطقة مارنجان إن “الوضع بات كارثياً بخاصة في ظل ارتفاع معدل وفيات النساء الحوامل، مناشداً الحكومة المركزية والمنظمات الدولية التدخل للمساعدة في التصدي لهذه الكارثة الإنسانية لتفادي تفاقمها وتقديم الدعم العاجل”.
وشدد جلال على ضرورة إيجاد حل جذري لمشكلة مصادر مياه الشرب التي تعد من أكبر التحديات، إضافة إلى حل أزمة التدهور البيئي، ودعم برامج الصحة كأولوية قصوى”.
ونوه المتحدث بأن “التحدي الأكبر هو العمل بجهد للسيطرة على تفشي المرض الذي لا ينتظر في ظل الوضع الحالي للمستشفيات والمراكز الصحية، مما يتطلب تدخل المنظمات الدولية لأن الوضع يفوق إمكانات وزارة الصحة”.
تلوث بيئي
من جانبها، أوضحت خديجة الصادق التي تسكن منطقة الحاج عبدالله أن “البوادر الأولى لظهور التهاب الكبد الوبائي بدأت ببلاغات من بعض المراكز الصحية في القرى المجاورة حول وفيات متزايدة للأمهات الحوامل، تم التقصي عنها وإبلاغ وزارة الصحة بها فوراً، بينما ظلت الحالات في ارتفاع مستمر حتى الآن”.
ولفتت المرأة السودانية إلى أن “تلوث مصادر المياه النقية في عدد كبير من القرى يشكل الخطر الأكبر على السكان ويفاقم الأوضاع الصحية، ويتركز انتشار الوباء في هذه المناطق نسبة إلى ارتباطه بصحة البيئة والتلوث”
ونوهت الصادق بأن “توافر الظروف المؤاتية لتفشي التهاب الكبد الوبائي في ولاية الجزيرة يسهم في زيادة المعدلات بظل غياب التثقيف والوعي الصحي لدى غالبية السكان في المحليات والمدن”.
حملات وتدخلات
في المنحي ذاته، قال الأمين العام للجمعية السودانية لرعاية وتوطين زراعة الكبد معتز أحمد البشير إن “التهاب الكبد الوبائي بات منتشراً بصورة كبيرة في ولاية الجزيرة، مما يتطلب تدخلاً عاجلاً لإنقاذ الوضع وكبح التزايد المستمر في معدلات الإصابة”.
ويعزو البشير تفشي المرض إلى التدهور في صحة البيئة وتلوث الطعام، وكذلك نقل الدم والمياه غير النظيفة، مؤكداً أن “الحملة القومية الوطنية التي انطلقت بالولاية تهدف لرفع وعي المواطنين بخطر المرض والحد منه”.
من جانبها، أشارت مدير إدارة تعزيز الصحة بولاية الجزيرة أسماء محمد إلى “استمرارية الحملات في محليات الإقليم التي تسجل أعلى نسبة إصابة بالتهاب الكبد الفيروسي”.
توعية وتثقيف
على الصعيد نفسه، دعا المتخصص في الوبائيات معاذ فضل إلى “خطوة عاجلة بتدخل بيئي وقائي مقرون بحملات للتوعية والتثقيف الصحي، لالتزام شروط صحة الغذاء والمياه من التلوث ومكافحة النواقل، بخاصة حشرة الذباب بأطوارها المختلفة، بوصفها الناقل الأول والرئيس لالتهاب الكبد الوبائي”.
وأشار متخصص الوبائيات إلى أن “تردي صحة البيئة يسهم مباشرة في ازدياد سرعة انتشار المرض، في وقت تنعدم الرعاية الصحية بسبب تداعيات الحرب، فضلاً عن افتقار المستشفيات والإمدادات الطبية للأدوية والوسائل العلاجية”.
وبين فضل أن “التهاب الكبد الوبائي على رغم أخطاره على الفئات العمرية كافة، لكنه أشد فتكاً بالنساء الحوامل، إذ غالباً ما يؤدي إلى وفاة الأم والجنين معاً”.
تدهور مريع
على صعيد متصل أوضح عضو لجنة الطوارئ الصحية السابق أمير فاروق أن “الأزمة الحالية في ولاية الجزيرة لا ترتبط بقصور الصرف الصحي التقليدي، بل بتلوث غير مسبوق في مصادر المياه وانعدام تام للبنية التحتية للصرف الصحي، مما جعل بيئة انتشار الأمراض مثالية وخطرة إلى حد مرعب”.
وأشار العضو السابق بلجنة الطوارئ الصحية إلى أن “الوقاية من الأوبئة الفتاكة، وكذلك العلاج أمر سهل يتمثل في توافر المياه النظيفة والصرف الصحي والرعاية الطبية في وقتها، وكذلك تطهير الأماكن العامة وإغلاق الأسواق الشعبية، ومنع بيع الأطعمة المكشوفة ووقف نقل المياه بوسائل بدائية تفتقر لمعايير الصحة”.
ولفت فاروق إلى أن “تدهور الصحة البيئية بسبب تلوث المياه واختلاطها بالصرف الصحي وتراكم أطنان القمامة والنفايات ومخلفات الحرب أسباب أسهمت في تفشي الكبد الوبائي في مدن ومناطق عدة بالإقليم”.
وأقر عضو لجنة الطوارئ الصحية بوجود تحديات حقيقية تتمثل في التدهور البيئي الواسع، تقابله أعمال علاجية ضعيفة للغاية، وهي تتقاطع مع شح الإمكانات وأزمة الموارد”.
وحذر من مغبة تأخر السيطرة على التردي المريع في الصحة البيئية، لأن الثمن سيكون غالياً، وسيؤدي إلى انجراف نحو خطر وبائي كبير”.
إصابات ووفيات
في سياق متصل، قال الناشط المجتمعي عبد الحليم مخاوي إن “اتجاه سكان القرى في ولاية الجزيرة إلى شرب مياه الآبار السطحية، وكذلك استخدام مصادر مياه مختلفة، أدى إلى تفشي الأمراض وبخاصة التهاب الكبد الوبائي”.
وأضاف أن “عدم حصول السكان على المياه النظيفة والخدمات الصحية والصرف الصحي داخل المناطق أسهم في تفشي الأمراض، مما خلف مئات المصابين وأدى إلى وفاة عشرات”.
وتابع مخاوي “يعود انتشار هذه الأمراض في الغالب إلى شرب المياه الملوثة، واستخدامها أثناء صنع الطعام والقيام بمهام أخرى مثل غسل الأواني”.
وأردف “يلجأ العشرات لجلب المياه من الآبار مباشرة، على رغم أخطار التلوث وتدهور الوضع البيئي بسبب تراكم النفايات وبقايا الجثث واختلاط المياه بالصرف الصحي”.
وأوضح الناشط المجتمعي أن “الأطباء رصدوا أمراض عدة، منها الكوليرا والتهاب الكبد الوبائي خلال وقت تعاني المستشفيات والمراكز الصحية نقصاً حاداً في المحاليل الوريدية والأدوية وغياب الكوادر الطبية”.
كثافة سكانية
يتجاوز عدد سكان ولاية الجزيرة 5 ملايين نسمة يمثلون 13 في المئة من سكان السودان وفق إحصاء عام 2018، وتحتل المرتبة الثانية بعد ولاية الخرطوم من حيث الكثافة السكانية.
وشكل سقوط الولاية المفاجئ في أيدي قوات “الدعم السريع” في ديسمبر 2023، صدمة للسودانيين ونقطة تحول كبيرة في الصراع.
وارتُكبت مجازر عدة في حق سكان الإقليم، أبرزها مجزرة قرية ود النورة التي راح ضحيتها ما يزيد على 400 شخص إلى جانب أعمال عنف جنسي، إضافة إلى مجزرة قرية قوز الناقة التي قتل فيها أكثر من 40 مدنياً بينهم نساء وأطفال وإصابة آخرين، وقرية العدناب التي قتل فيها نحو 23 مواطناً مع عشرات الإصابات.
وكانت الحملة الانتقامية التي شنتها قوات “الدعم السريع” وما تبعها من مجازر في شرق الجزيرة بعد انشقاق قائدها أبو عاقلة كيكل وانضمامه لصفوف الجيش، من أبشع وجوه الانتهاكات التي شهدتها الولاية.