كِبْرٌ حِينَ يُنْكِرُ… وَالْبُرْهَانُ حِينَ يُحَرَّكُ

عبد الجليل سليمان 

في هذه البلاد التي اعتادت أن تكتب أخبارها بالحبر والدهشة معاً، لا يحتاج المرء إلى كثير عناء كي يجد نفسه في قلب حكاية تتكاثر فيها المفارقات كما تتناثر النجوم في ليلٍ صقيل.

هنا تسير الوقائع بوجهين، وتستقر الأكاذيب على الأرائك بوقار الحكماء، حتى تغدو الذاكرة العامة نهراً قديماً يحمل في مجراه الطمي والذهب معاً؛ فلا يعود التمييز بين الرواية والتهويم إلا ضرباً من رياضة الذهن.

ولذلك، حين يخرج رجل من قلب الماضي ليحدث الناس عن ذلك الماضي ببراءة مفاجئة، يكتفي السودانيون بابتسامة عابرة؛ ابتسامة من يعرف أن الحكاية لم تبدأ بعد، وأن الستارة لم تُرفع إلا لتوّها.

هكذا أطَلَّ السيد عثمان محمد يوسف كبر على المشهد، ليخبر الناس أنه لم يكن شيئاً يُذكر؛ عابر سبيل في الممر الطويل.

لم يكن نائباً للرئيس المخلوع عمر البشير، ولا ركناً في البيت الواسع الذي حكم البلاد ثلاثة عقود، بل رجلاً مرّ من هناك كما تمرّ نسمة خفيفة في ردهةٍ مهجورة، بلا ظلّ ولا أثر.

يا لهذه الطهارة التي هبطت فجأة على كتفي رجلٍ عاش ردحاً من الزمن في قلب العاصفة؛ كأن العقود الثقيلة لم تكن سوى غيمة صيف عابرة، انشغل خلالها صاحبنا بتأمل زرقة السماء.

غير أن التسجيل الذي بثته سكاي نيوز عربية فعل في هذا المسرح ما يفعله مصباح يُشعل فجأة في قاعةٍ ظلت دهراً تتعبد في الظلام.

للحظةٍ قصيرة ارتجفت الظلال، وتكلمت الجدران التي ظلت صامتة طويلاً، وانفرجت العتمة قليلاً عن تلك الخيوط الرفيعة التي كانت تتحرك في الخفاء.

خيوط دقيقة بالكاد تراها العين، لكنها تمسك أطراف الدمى وتشد إيقاع العرض كله، وتشير، لمن يمعن النظر، إلى اليد الهادئة التي تدير المشهد بصبرٍ بارد من وراء الستار.

وهناك، في قلب الخشبة، يقف الجنرال عبد الفتاح البرهان بزيه العسكري اللامع وقامته المديدة. غير أن من يمعن النظر يدرك أن خطواته تشبه حركة قطعة شطرنج وديعة؛ بيدقٍ مصقول يسير بثقة فوق الرقعة، فيما اليد التي تدفعه تظل مطمئنة في العتمة، حيث تجلس الحركة الإسلامية كلاعِبٍ عجوز أتقن أسرار اللعبة، يعرف متى يحرّك القطعة خطوة، ومتى يتركها تتقدم وحدها.

أما البلابسة، فهم الجوقة التي تصفق حتى تكلَّ أكفُّها وتنشرخ حناجرها.

يرفعون أصواتهم كلما تحركت الدمية، وتعلو هتافاتهم كلما اهتزت الخيوط، ويستبد بهم الغضب إذا اقترب أحد من الحبال التي تمسك العرض بأسره.

وهكذا تمضي الحكاية في هذه البلاد؛ عرّاف ينسج إنكاره حتى يكاد يصدّقه، وبيدق يمشي بوقار السلاطين، وجمهور يصفق حتى توشك الأكف أن تكلّ.

أما الحقيقة، فتقف في منتصف المسرح، عاريةً وباردة كحدّ السيف؛ واضحة إلى درجة أن إنكارها غدا فناً قائماً بذاته، من فنون البلاغة السياسية في السودان.

Exit mobile version