​تضخيم (الأخطاء) لا يقل خطورة عن تجاهلها!!

محمد عبدالماجد

نحن ظللنا ننتقد بوغبا ونهاجمه بسبب أنه لاعب (بارد)، في نفس الوقت الذي نهاجم فيه صلاح عادل لأنه لاعب (متهور) أو سريع الانفعال.

هاجمنا الطيب عبدالرازق لأنه يلعب بثقة أو لاعب (عاقل) أكثر من اللازم، وهاجمنا إرنق لأنه لاعب عنيف ويلعب بقوة.
​الأنانية التي يتحدثون عنها ويرمون بها كوليبالي وجان كلود ليست هي كما يروج لها، وهي اتهام ظالم؛ فقد تعودنا أن نبرز بعد أي مباراة لقطة لجان كلود أو كوليبالي لا يمرر فيها جان أو كوليبالي الكرة، ونعرض تلك اللقطة ونظل نتحدث عنها على أنها تجسد قمة الأنانية، رغم أن المباراة التي نقتطع منها تلك اللقطة فيها عشرات الفرص التي مرر فيها جان كلود وكوليبالي الكرة للاعب آخر.
​يكفي أن هدف روفا الأخير في نهضة بركان جاء من تمريرة حريرية لكوليبالي بعد مجهود عظيم من اللاعب المالي.

أي لاعب بعد المجهود الذي بذله كوليبالي كان لن يمرر الكرة، وكان سوف يلعبها بنفسه في المرمى… أحياناً المجهود الكبير الذي تقوم به يطمعك ويجعلك تفضل أن تلعب الكرة بنفسك.

​وفوق ذلك، فإن مساهمات كوليبالي وجان كلود في أهداف الهلال ربما تكون هي الأعلى في دوري أبطال أفريقيا، ومراوغاتهما هي الأنجح. يثبت ذلك أن هداف الهلال في البطولة الأفريقية هو لاعب الوسط روفا، وهداف الهلال في الدوري الراوندي هو فولمو، وهذا أمر لا يمكن أن يحدث لو لم يكن هنالك تعاون بين المهاجمين، ولا يمكن أن يتحقق لو لم تكن مساهمات أجنحة الهلال عالية.

وكفى أن الهلال صاحب الأهداف الاكثر في الدوري الراوندي وينافس على الرقم الأعلى في دوري أبطال أفريقيا.
​لا تخلقوا أزمة بين لاعبي الهلال، فهم في كامل التعاون وقمة التفاهم. الهلال هجومياً يتنفس بجناحين، وقوة الهلال في كوليبالي وجان كلود، فكيف لنا أن نصف بعد ذلك لعبهما بالأنانية؟

​في الهلال دائماً نحن ما نصنع انطباعات، نجعلها من بعد ذلك من الثوابت الراسخة، أو من الأشياء التي يجب أن نتعامل معها كحقائق. أي مشكلة عندما ترسخها وتصبح ترددها وتتحدث عنها كمشكلة عويصة، تصبح مشكلة (نفسية)، والخوف من المشكلة هو أخطر من المشكلة نفسها (والله بقول ليكم في درر).

​نروج نحن في الهلال — إعلاماً وجمهوراً — إلى سلبيات الهلال وننشرها أكثر من ترويجنا للإيجابيات، وفوق ذلك نتعامل مع الأخطاء التي تحدث من اللاعبين على أنها كوارث أو جرائم، والأخطاء جزء أصيل في مباريات كرة القدم؛ أكاد لا أشاهد مباراة إلا وجدت فيها كمية من الأخطاء التي يمكن أن نطلق عليها أخطاء ساذجة وعبيطة!!

​يحدث ذلك في الدوريات الأوروبية المحلية، وفي دوري أبطال أوروبا، وفي كأس العالم، وكل هذه الأخطاء يتعاملون معها على أنها أخطاء عادية ويتم تجاوزها سريعاً ولا يقفون عندها لتصبح انطباعاً — إن العقدة النفسية تتخطى حاجز المشكلة إلى الأزمة وتصبح من بعدُ عيباً (خلقياً) في الفريق.
​أكثر ما يستفزني في ذلك أن أي خطأ يقع فيه لاعب من الهلال يُرجع سبب الخطأ إلى أن مرتكبه لاعب سوداني، حتى وإن كان الخطأ قد حدث من لاعب أجنبي، وهذا ما حدث في طرد إيبولا؛ فهل اكتساب الكونغولي إيبولا للجنسية السودانية كان سبباً في تعرض اللاعب للطرد؟

​إن الذي أشاهده من أخطاء على مستوى دوري أبطال أوروبا، بكل إمكانياته وجودة لاعبيه ونعيم ملاعبه، لا يحدث حتى في الدوري السوداني الذي يلعب على أرضيات ملاعب لا تصلح “إصطبل خيول”.

​أغرب أخطاء شاهدتها في الفترة الأخيرة كانت في مباراة الذهاب بين توتنهام وأتلتيكو مدريد، حيث ارتكب حارس مرمى توتنهام أنتونين كينسكي أخطاءً كارثية تصلح كمشاهد كوميدية في برنامج تلفزيوني، أو يمكن أن تكون أحد مشاهد برامج المقالب التلفزيونية ، على طريقة الكاميرا الخفية ؛ فقد ترنح أنتونين كينسكي مرتين وهو يستلم الكرة ليهدي لأتلتيكو هدفين في أول ربع ساعة من المباراة، هدفان يجعلاني أطالب بخضوع هذا الحارس للفحص الطبي، فما حدث منه لا يحدث حتى من لاعب مخمور أو تحت تأثير المخدرات.

​تحدث دييغو سيميوني، مدرب أتلتيكو مدريد، عن الانتصار الكبير الذي حققه فريقه على حساب ضيفه توتنهام هوتسبير بنتيجة (5-2)، مساء الثلاثاء قبل الماضي، في ذهاب ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا، وتطرق إلى استبدال حارس مرمى الخصم في الدقيقة 17 قائلاً: “لا، لم أرَ شيئاً كهذا على المستوى الاحترافي من قبل. هذه ليست مشكلتي، بل مشكلتهم هم ومدربهم وحارس مرماهم، ونحن نركز على أنفسنا وليس على قرارات الآخرين”.
​الجميل أنهم بعد ذلك لم يقرروا أن يذبحوا حارس توتنهام ولم يقوموا بتصفيته، عكس ما يحدث عندنا؛ فقد جعلنا من أخطاء أبوعشرين موضوعاً، وما زلنا في أي مناسبة نتهكم ونسخر من هذا الحارس حتى في أوقات تألقه.

في أوقات فراغنا نحن نتحدث عن أخطاء علي عبدالله ابوعشرين.

​نحن دائماً نحاول أن نجعل من الأخطاء وسيلة لتصفية اللاعبين والقضاء عليهم، بسبب أمور تحدث في ملاعب كرة القدم العالمية وتقع على أعلى المستويات. نحن نلوم إيبولا لأنه طُرد في آخر دقيقة من عمر المباراة، وقد طُرد لاعب مانشستر سيتي أمام ريال مدريد في أول ثلث ساعة من عمر المباراة، وكان سبباً في خسارة فريقه وفي تلاشي فرصة فريقه لتعويض نتيجة مباراة الإياب.

​في مباراة الأمس التي جمعت مانشستر سيتي وريال مدريد في إياب ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا، تعرض قائد السيتي برناردو سيلفا لحالة طرد مباشرة كانت نقطة التحول الكبرى في اللقاء. حدثت الواقعة في الدقيقة 20 من عمر المباراة، وتم تأكيد القرار وتنفيذ ركلة الجزاء في الدقيقة 22.

بدأت الهجمة بتسديدة من “فينيسيوس جونيور” اصطدمت بالقائم، لتعود الكرة إلى منطقة الجزاء ويتابعها اللاعب البرازيلي بتسديدة أخرى نحو المرمى، فقام برناردو سيلفا الذي كان يقف على خط المرمى بمنع الكرة من الدخول باستخدام ذراعه بشكل متعمد.

​هذا الطرد كان سبباً رئيساً في أن يفقد مانشستر سيتي فرصته في التأهل ليخسر المباراة وهو يلعب على ملعبه بعد أن خسر مباراة الذهاب 0-3. هذه أمور تحدث بشكل دائم ومتكرر، ويمكن أن تحدث من نفس اللاعبين. لا أقدم هذه الأخطاء كاستثناء أو حالات نادرة، بل أقدم تلك الأخطاء لأنها وقعت في آخر المباريات، علما أنها حدثت في أقوى بطولة في العالم ويشارك فيها أفضل أندية العالم وأجود اللاعبين.

​والأخطاء كثيرة، يمكن في أي مباراة تُلعَب أن أخرج لكم ثلة من الأخطاء التي يقع فيها اللاعبون ويقع فيها كذلك المدربون. في الدقيقة 57 من عمر المباراة أخرج بيب غوارديولا مهاجمه المجري هالاند وأشرك عمر مرموش؛ هذا الأمر لو قام به خالد بخيت أو محسن سيد وفريقه يحتاج للفوز لتم إعدامه في ميدان عام!

​أخطاء كثيرة تحدث من اللاعبين ومن المدربين ولا يقفون عندها كما نقف نحن عندها ونحولها إلى عقدة أو أزمة لا يمكن تجاوزها أو حلها. طبيعة “الخانة” التي يلعب فيها صلاح عادل تستوجب العنف والكروت الملونة، وما يحدث من صلاح عادل يبدو من مستلزمات المركز.

​انظروا إلى مهاجم في قيمة رونالدو، حيث تعرض النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو للبطاقة الحمراء 13 مرة طوال مسيرته الاحترافية حتى الآن. أراهن أن صلاح عادل لن يصل إلى هذا الرقم من البطاقات الحمراء عندما يقرر اعتزال الكرة. تلقى رونالدو 9 بطاقات حمراء مباشرة، بينما كانت 4 بطاقات نتيجة الحصول على إنذارين (كرت أصفر ثانٍ).

​أفضل مدافع شاهدته في العالم هو راموس، وهو مدافع أعتقد أن الكروت الملونة التي كان يتعرض لها كانت سبباً في تميزه، لأنه يلعب بقوة وحماس وقلب. يُعرف النجم الإسباني سيرجيو راموس بلقب “سيد البطاقات الحمراء” في العصر الحديث، حيث وصل عدد البطاقات الحمراء في مسيرته الاحترافية إلى 30 بطاقة حمراء (حتى مارس 2026). يحدث ذلك ولم نجد هجوماً أو انتقادات قاسية لهؤلاء اللاعبين.

​الهلال في هذا الموسم تعرض لاعبوه لبطاقات ملونة كثيرة، هذا أمر سلبي من دون شك، ولكن الإيجابي في ذلك أن لاعبي الهلال أصبحوا يلعبون بقوة وحماس وروح، لذلك يتعرضون لكل هذه البطاقات الملونة، والدليل على كلامي هذا تميز الهلال وتقدمه في كافة البطولات؛ فلو كانت البطاقات الملونة التي يتعرض لها لاعبو الهلال نتاج عشوائية أو فوضى لانعكس ذلك على نتائج الفريق.

​إن تضخيم الأخطاء وتكبيرها والحديث عنها كفزع أو كارثة أمر يزيد من أضرار تلك الأخطاء، أعتقد أن تضخيم الأخطاء عواقبه لا تقل عن إنكار الأخطاء أو تجاهلها. لقد صنعنا انطباعاً عاماً عند جماهير الهلال؛ فعندما تَعرض الأخطاء وتكثر من الحديث فيها تصبح حقيقة حتى وإن كانت وهماً.
​كوليبالي أناني، وجان كلود أناني؛ هذا حتى من ناحية التسويق يقلل من قيمة أفضل جناحين في أفريقيا. أبوعشرين (كارثة)، والطيب عبدالرازق (مشكلة)، وصلاح عادل (متهور)، ووالي الدين خضر (بارد)، والغربال مفروض يتكلم مع الحكام لأنه القائد.

​لقد خلقنا هذه الأزمات وصدقناها وجعلناها واقعاً، والأكيد أن المنافس أصبح يستغلها ويلعب عليها. يتحدث تقرير عن نطحة زيدان فيقول: “تُعد نطحة زيدان واحدة من أشهر اللحظات الدرامية في تاريخ كرة القدم، ووقعت في المباراة النهائية لكأس العالم 2006 بألمانيا بين منتخبي فرنسا وإيطاليا”.

​ويقول التقرير عن الحالة التي وقع فيها أحد أفضل اللاعبين في تاريخ كرة القدم: “أثناء عودة اللاعبين لمنطقة الجزاء، حدثت ملاسنة كلامية بين زين الدين زيدان والمدافع الإيطالي ماركو ماتيراتزي. فجأة، التفت زيدان ووجه ضربة برأسه (نطحة) قوية إلى صدر ماتيراتزي، مما أدى لسقوط الأخير أرضاً. لم يشاهد حكم الساحة (الأرجنتيني هوراشيو إليزوندو) الواقعة مباشرة، ولكن بعد استشارة الحكم الرابع، تم إشهار البطاقة الحمراء المباشرة في وجه زيدان، ليغادر الملعب في آخر مباراة رسمية له قبل الاعتزال. كشف ماتيراتزي لاحقاً (وبعد سنوات من الغموض) أنه قام باستفزاز زيدان لفظياً من خلال توجيه إهانة بذيئة تخص شقيقته، مما أفقد الأسطورة الفرنسي أعصابه ورد بفعلته الشهيرة”.

​وماذا كانت نتيجة هذه النطحة؟ خسرت فرنسا النهائي بركلات الترجيح بعد خروج قائدها وملهمها. المفارقة أن هذه النطحة لم تخصم من زيدان ولم تحرمه حتى من أن يكون أفضل لاعب في البطولة رغم أنه خرج بصورة درامية بالبطاقة الحمراء بعد مخالفة غريبة وفقد منتخبه البطولة؛ فبرغم الطرد، تُوج زيدان بجائزة أفضل لاعب في البطولة، وظلت الواقعة تذكّر العالم بالجانب الإنساني والانفعالي للاعبين حتى في أكبر المحافل.

​هذه هي كرة القدم، لا تجردوها من متعتها ولا تصنعوا ضغوطاً على اللاعبين تكون هي السبب الرئيس في وقوعهم في الأخطاء. الأخطاء التي يقع فيها لاعبو الهلال أحمّلها لإعلام وجمهور الهلال بسبب الضغوط المبالغ فيها التي نخلقها. هذه الأخطاء لا أقول كما يقولون “جزء من اللعبة”، وإنما أقول “جزء من المتعة”.

​والأخطاء تحدث حتى في غرفة العمليات، فكم الذين ماتوا بسبب أخطاء طبية؟ أخطاء حدثت من دارسين ومحترفين وعلماء، فكيف لا تحدث من لاعبين يلعبون تحت الضغوط والمخاوف والكشافات المضيئة؟ إذا أردتم البطولة فادعم فريقك وكن خلف لاعبي الفريق، ولا تظل تردد الأخطاء التي تحدث حتى تصبح كوابيس تقلق حياتنا وتكدر عيشتنا.
…..
​متاريس
دائماً أقول إن المخاوف من الشيء تجعل ما نخاف منه يحدث ويقع. الحرص الشديد مشكلة، ونحن نقول: “الحرص والحذر لا يمنع القدر”. خلي روحك رياضية وكن مرناً قادراً على التعامل مع كل الظروف وكل الأخطاء.

​ترس أخير: كدا وضحت؟

Exit mobile version