مرَّ أكثرُ من عامين ونصف، ولم أكتب عنك حرفًا. صعبٌ عليَّ أن أكتب عنك بضمير الغائب، وأن أستخدم الفعل الماضي؛ كم هي قاسيةٌ قواعدُ اللغة إذ تفرض عليك خيارًا قاسيًا.
امتدَّت بيننا المسافاتُ الزمنيةُ والجغرافية، قطعناها أحيانًا عند زياراتٍ متقطعةٍ لأمريكا، واستعصت علينا مراتٍ أُخَر. وها أنت تمضي في الغياب الأبدي، في مكانٍ ما من صحارى كاليفورنيا، عليه شاهدُ قبرٍ صغير… مكتوبٌ عليه: «هاشم محمد محمد صالح».
صباحَ الثلاثاء 25 يوليو 2023 هاتفني بشرى من الدوحة؛ كان الوقت لا يزال مساءَ 24 يوليو في كاليفورنيا. قال لي جملةً واحدةً صمتنا بعدها معًا: «عمو فيصل… أبوي مات». ثم انقطع الخط. عاودتُ الاتصال بعد دقيقتين، فكرَّر لي بشرى الخبر، ثم تحدثتُ مع أم الخير. استمرت مكالمتنا المتقطعة أكثر من ساعة، حتى استطعتُ استيعاب الخبر.
قال لي بشرى في اليوم نفسه عبر الهاتف إنه صلَّى الظهر في الجامع، كعادته، وطلب من الإمام أن يصلِّي صلاة الغائب على أبيه. قال لي بصوتٍ ملتاع: «قلت ليه أبوي مات غريب وبعيد، ما معاهو زول»… شقَّ قلبي بكلماته، وبيننا، أنا وبشرى أيضًا، مسافاتٌ وصحارى.
كانت هذه العبارة هي أيضًا أول ما صرخت بها شقيقاتي، وأنا أجمعهن في الغرفة لأنقل لهن خبر الوفاة. كانت هذه أصعب مهمة واجهتني في حياتي، لكنني صممت عليها. كتمت الخبر لحوالي ربع ساعة، ثم لم أستطع؛ كان الحزن أثقل من أن يحمله قلبُ إنسانٍ واحد.
كان هذا هو الكابوس الذي ظللتُ أعاني منه في العامين الأخيرين: أن نستيقظ صباحَ أحد الأيام على وقع هذا الخبر.
طوال عامين، وأنا أناقشه بشأن زيارةٍ قصيرةٍ للسودان الذي غاب عنه أكثر من ثلاثين عامًا. كنا نتحدث بالساعات، ولم أملك الشجاعة لأروي له هذا الكابوس.
عكستُ القصة، وصرت أقول له إنه كلما يتأخر في أمر العودة سيجد أن عددنا يتناقص؛ ربما لا يجدنا نحن أشقاءه وشقيقاته. كثيرٌ من أبناء وبنات شقيقاتي، ومعظمهم متزوجون ولهم أبناء وبنات، لم يروه مطلقًا. كان يتحدث معهم عبر الهاتف بالساعات، ويعرفهم جميعًا، لكن لم يرَهم ولم يروه. كان يقول إنه متشوقٌ لرؤيتهم… وسيعود يومًا ما.
رحل بعيدًا، لكنه لم يكن وحيدًا تمامًا. سافر أبناء وبنات الأسرة وأصدقاؤه من عدة ولايات ليكونوا بجواره ويودعوه. وكان له أصدقاءُ كُثُرٌ تجمعوا من كل أطراف الولاية ومن خارجها، ومعهم أبناؤهم الذين ظلَّ هاشمٌ يدرِّسهم اللغة العربية لسنواتٍ طوال.
وكانت روحُ صديقه الحميم عبد الماجد بوب تحلِّق حول المكان، وقد دُفن إلى جواره.
حين زرته للمرة الأولى في هذا المكان، جادلته في شأن سكنه البعيد المنقطع عن الناس. قال لي إنه يرتاح هكذا، ثم، دون قصد، أغرقني في زياراتٍ ودعواتٍ من أصدقائه وأسرهم. لم تكفِ الأيام التي قضيتها معه لألبِّي كل الدعوات. وصلنا حتى مونتري، وأقمنا مع عبد اللطيف علي الفكي ومريم الطيب، وقابلنا محمد المكي إبراهيم وحمدان جمعة. غرقنا أيضًا في سيلٍ من الدعوات والاجتماعيات.
في أيامه الأخيرة كان يحدثني كثيرًا عن المادح حاج الماحي. قال إنه يعمل على دراسةٍ لغويةٍ لمدائحه، وطلب مني نسخةً ضوئيةً من الديوان الذي حققه الأستاذ عمر الحسين. لم تكن متوفرة، فوعدته بأن أرسل له النسخة الورقية التي أملكها متى ما وجدتُ شخصًا مسافرًا إلى أمريكا.
عشتُ في ظلِّه… لكن لم أستطع أن أكون مثله في اتساقه الكامل. حسدته على بعض مواقفه المتمردة، لكنها لم تكن تناسب شخصيتي. لم نتفق في كل شيء؛ كانت لنا خياراتٌ مختلفة في بعض المواقف، لكنني كنت أحس بوجوده معي أينما اتجهت. اخترتُ خياراتٍ سياسيةً غيرَ التي اختارها، ولم يحدث أن ناقشني فيها.
كان مزاجه الفني والموسيقي مختلفًا أيضًا؛ لا يناقش فيه كثيرًا، لكنه لم يكن مترددًا في الجهر به إذا ما جاءت المناسبة.
كان لديَّ أخٌ أكبر… ويا لقسوة اللغة وقواعدها.